صناعة التفاهه.. نضال احمد جابر جودة

أثبت الأحداث التي أصبحت جزء اصيل من الواقع، أن لا أحد من الاعلاميين، المُحللين، المُبادرين…الخ استشراف المستقبل. يُسهم الفضاء الازرق في صناعة الجهل وطمس الواقع، المطاطية، الفضفاضة، الضبابية بهذه المصطلحات أصبح واقع الإعلام العربي، اختار  الإعلام العربي أن يكون اسيراً لبعض الأجندات أو الرؤى، هذا الأسر أفرغ المجتمع الإعلامي من مفهوم الإنتاجية واستشراف المستقبل والتنبؤ بالمشكلات وخلق الحلول بناءً على منهجية إدارة الأولويات.
اختار هذا الإعلام بيان المشكلة ولم يختار أو لم يجرؤ على تعريف المشكلة، و الحديث عن أسباب المشكلة، اختار أن يتحدث عن مخرجات الحدث ولم يختار أن يتحدث عن مدخلات الحدث والإجراءات أو السلوكيات التي أفضت إلى تلك النتائج أو المخرجات التي جعلت من الإعلامي بطلاً، من خلال انتقاءه مفردات جميلة من اللغة العربية التي تعج بمفردات ترادفية ينجذب لها المستمع بحالة من الانبهار ينتهي هذا الانبهار بانتهاء الحدث أو حلقة البث، هذا البطل الذي صنعهُ الإعلام، ضحية من ضحايا المجتمع الاستهلاكي الذي خلقه النظام، كما أفراد المجتمع كافه من الاطفال، النساء، الشباب، الصبايا والعجائز الجميع ممن ذُكر ضحايا المجتمع الاستهلاكي، ولكن الاختلاف واضح وصريح الضحية الأولى(بطل الاعلام) هو من اختار أن يكون كذلك تحت مبرر الشهرة، النشوة، المال اي ضحية بمقابل، ولكن أفراد المجتمع هم الأبطال الحقيقيون هم من يصنعون الأحداث ويعيشون النتائج، هم اصل الحكاية، هم المدخلات والإجراءات والمخرجات، الذي لم يجرؤ ذاك الإعلامي الحديث عن المدخلات والإجراءات. واختار أن يكون بطلاً لغوياً ذو كريزمة متطابقة مع اختارهُ في كيفية لفظ المفردات، هل يستطيع هذا البطل أن يقدم حلولاً تفي باحتياجات أفراد المجتمع؟ هل يستطيع هذا الإعلامي التعرف على احتياجات الناس كافه بصورة عشوائية للايفاء باحتياجات الناس كافه؟ بعيداً عن انتقاء شخصيات معينة للحديث معهم. انه الإعلام الراديكالي والحياة الإعلامية الراديكالية التيت بحث في النتائج، تسويق المشاهير، خلق صراع مجتمعي بأسم الدين أو الوطن، تحريك الرأي العام، عرض ظاهر الامر، احتقار معاناة أفراد المجتمع واللعب على عواطفهم وعجزهم وقلة حيلتهم. القضايا أو المشكلات التي جعلت الإعلام والإعلاميين ابطالاً من ورق هو انتظار الأحداث وليس صناعتها، استحضار النتائج بناء على صياغة الفرضيات التي هي بحاجة لإثبات اما إيجاب أو سلب وهم اي الاعلامين اختاروا الاجابية المطلقة في اعلان النتائج بغض النظر هل تلك النتيجة تتوافق وتتفق مع احتياجات المجتمع المحلي.  فأصبح التسويق لامجاد عابرة ينتهي أثرها بانتهاء عملية العرض  أو الحصول على الجائزة.
لم يحظى أولئك المعذبون، المقهورون، التائهون، الجوعى، النازحون، اللاجئون من يعيشون بين لظى الرصاص وازيز الطائرات ولصوص المساعدات بهذه الأهمية الإعلامية، فقد كان التسويق والتشريف للمبادر، للاعلامي، للقائد، للزعيم. حقاً انه عصر التفاهه وصناعة الترف بدماء الناس، صناعة مجداً عابراً بآهات الارامل، الثكالى، الايتام. الإعلام العربي، الفضاء الازرق لأكثر من ربع قرن لم تستطيع أن تعمل تحول في المجتمعات العربية كافة والانتقال بهم من النظام الاستهلاكي إلى النظام الإنتاجي. وكأن المجتمعات العربية قاطبةً تعيش عصر التفاهه وزمن الراديكالية وجميع المشاهد عكستها المسرحية أو الملحمة المسرحية (ملحمة السراب) التي عُرضت منذ زمن بعيد، تعكس حالة المجتمع الغائب المجتمع التائة، المجتمع الذي لا يدرك احتياجاته، تعالج هذه المسرحية أو الملحمة حياة المجتمع الذي أصبح يهتم بالقشور يهتم بظاهر الأمر اي حياة يومية روتينية تنتهي بانتهاء اليوم، في استحضار جديد لنفس الروتين في نهار جديد ويوم مماثل، فأصبحت السلبية والتفاهه افضل طرق النجاح في عملية النجاة اليومية التي تنتظر المجهول ولا يمكنها صناعة الأحداث لأن تلك المجتمعات أصبحت أسيرة الكلمة تستتر وتتستر بتلك المفردات اللغوية الجميلة التي تلامس العاطفة ولا تعكس الواقع المجتمعي. فأصبحت حياة الأفراد في المجتمع حياة اعتباطية، جدلية، مصدر استرزاق أساس للاعلاميين والحزبيين.
باحث عن الحياة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com