لا عيد ولا سعيد!.. بقلم/ د. صبري صيدم

في الوقت الذي خْطت فيه هذه الكلمات كانت شمس اليوم الثالث من عيد الفطر على وشك الغروب، بعد ما شاب العيد المنتهي كما سابقيه من مدّ وجزر يخصان رصد هلاله. وبين المد والجزر كانت حمم النيران تنسكب على أهلنا في قطاع غزة بصورة أكثر ضراوة ووجعاً وألماً، إضافة إلى حال لا يقل ضراوة في الضفة الغربية المكلومة والقدس الجريحة.

وقد سجل هذا العيد تفككاً أكبر في نسيج عالمنا العربي، الذي بموجب تطور التكنولوجيا ووسائل الرصد والتتبع، لا يحتاج لمن يرصد الهلال على رؤوس الجبال، أو على سطوح المنازل.

المشهد لا يحتاج أيضاً إلى تقنيات فردية، ولا مبادرات رصدية شخصية لمعرفة موعد حلول الأعياد ومواقيتها. فتقنيات اليوم ووسائطها ومعداتها وبرامجها، قادرة تمام القدرة على رصد الزلازل والبراكين، وحركة الصواريخ، وموجات تسونامي وتطورات الطقس بكامل تفاصيلها، ناهيكم عن حركة الكواكب والنجوم والنيازك والشهب، والقائمة تطول، خاصة أمام تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي وما في حكمها.

رصد الهلال بصراحة، قرار سياسي بامتياز يعكس حالاً بائسة لأمة عربية حزينة تئن من جراحها وضعفها وتفككها ليس أمام أهلة الصوم والأعياد فحسب، بل أيضاً وهي تراقب تطورات السياسة كما تراقب تطورات الفلك وما في حكمهما. أمام حالي السياسة وهلال العيد نجد أنفسنا أمام واقع لا هو عيد ولا هو سعيد، فلا أعياد وفلسطين تباد.

ولا أعياد وحال العروبة متهالك مرتعد أمام وعيد ترامب، وضغط نتنياهو.. وعيد وتوّعد ما زالا يشكلان صخب المشهد الملتهب والمتورم أمام هول ما يحدث.

في عام ونصف العام تقريباً لم تبق عاصمة في الإقليم على حالها إما بالقصف، أو بالزحف أو بالتقسيم أو بالتهديد، في صورة تتقاطع وخطاب نتنياهو أمام الأمم المتحدة في سبتمبر من عام 2023 وطرحه لمفهوم الشرق الأوسط الجديد.

خريطة ميدانية وجغرافية وسكانية وقومية ودينية تتكون الآن أمام ناظري أولئك الذين اعتقدوا لزمن طال بأن الحرب في فلسطين لن تطالهم، وربما لن تؤثر عليهم، ليجدوا أنفسهم في عين العاصفة أمام مشهد يتشكل ومعه يتكون مصير الشرق الأوسط الجديد.

فترحيل الفلسطينيين وتمزيق سوريا وإخضاع لبنان وتهديد مصر وترهيب الأردن ودك صنعاء وترهيب العراق وابتزاز السعودية، وقائمة لن تنتهي من مفاعيل عصر التكوين لشرق أوسط جديد، ستحتاج كلها لما هو أكبر من بيانات الشجب والاستنكار، بل تقترب أكثر باتجاه ثبات الموقف العربي الرافض لتهجير الفلسطينيين وتصفية قضيتهم، والمصر على وحدة سوريا وإنقاذ لبنان وتماسك عواصم العروبة أمام المدّ «الترامبي» الهدار.

وبالمكيال ذاته يحتاج المشهد في فلسطين إلى ترميم داخلي متسارع يقوم على تمتين البيت الفلسطيني في إطار مهمة لا نعفي النفس ولا نفوس الآخرين منها.

بعد خطوتي التماسك والتلاحم ربما تعود الأمة العربية لتجتمع على هلال العيد، وعلى رفض المقتلة بحق الفلسطينيين فعلاً وليس فقط قولاً، وهو ما سيقود نحو شرق أوسط جديد قائم على العدالة الدولية والإنسانية. فهل نشهد عيداً سعيداً مقبلاً؟ أم تستمر قتامة المشهد الحالي على حالها؟ ننتظر ونرى

s.saidam@gmail.com

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com