حوار مع الشيطان.. نضال احمد جابر جودة

يُحدثها قائلًا: قولي لي يا حورية ما الذي يدفعكِ على خدمة رَجلٍ ثَملٍ مثلي؟ لا يفيق من سُكرهِ، ألا تخشين عبثي في لحظات سُكري وغيابُ عقلي. تنهدت طويلًا ثم قالت: أنت الصادق الوحيد يا سيدي الثمل، لا تخون، لا تتحرش، لا ترمي كلمات تخدش أنوثتي، لا تُغازل، حتى في خيالك لا تخون. يا سيدي الثمل، كُل الذين خانوا وحاولوا انتهاك جسدي واستغلال حاجتي كانوا لا يشربون الخمر. يا سيدي كل الذين حاولوا انتهاك جسدي النحيل هُم ممن يَجلسون في رُكن القُراء، المُثقفين، الأكادميين، الساسة، الكُتاب، الذين يعتلون المنابر، الذين يقدمون الموعظة ويتحدثون بالحكمة، ويسدون بالنصيحة، وينشدون الفضيلة. حتى انك في خيالك لا تخون يا سيدي الثمل.
فيسألها: كيف ذلك؟ كيف لا اخون في خيالي؟
قالت حورية: لا تسترق النظرات خلسةً لتنهش بها جسدي مثلهم. باللهِ عليكِ يا حورية، قولي لي: كيف تكون حالتي عندما تأخذ مني الخمر مأخذًا وأغيبُ عن الوعي.
يا سيدي: تكون الصادق الصدوق. وكيف ذلك يا حورية؟ لأنك تَهذي بكلماتٍ غير مترابطة ولا مُتناسقة وتذكر أرقام عددية. قولي لي: ما هي تلك الكلمات؟ تقول: (جميلة، أمينة، جبل، سند، عصفور، عصفورة، صافي، البتول، ثلاثة، اثنان، أنا، وهيَ، وهوَ، وهم). من هؤلاء يا سيدي؟
آهٍ يا حورية! آهٍ يا حورية! كانت جميلة، أي الحياة: ولكن خطاباتهم وعبثيتهم شوهت الحياة وحولتها إلى جحيم. أما أمينة: فهي تلك الأم الثكلى التي انفطر قلبها بسبب كلماتهم التي لم تتمكن تلك الكلمات من انتشال ابنها وحفيدها من تحت الركام. أما جبل: فهو ذاك الرجل المكلوم الذي الذي قضى من عُمرهِ خمسون ربيعاً، ليجد نفسهُ في خريفهُ السبعون بلا مأوى، ومسؤلًا عن أرملة ابنهِ واحفادهُ الأيتام، بعدَ أن قتلت كلماتهم نجلهُ، واستباحوا سكينتهُ وسلوكياتهم. آهٍ يا حورية آه، أما سند: فهو أخي المغدور رحمه الله، فهو ضحية عبثيتهم واستهتارهم وعدم مسؤليتهم، أما العصفور والعصفورة: فهم اطفالاً رُضع اصبحوا بلا ابٍ أو أم، ومنهم بلا عائلة، هؤلاء العصافير افضوا إلى أن يكونوا اسرى للمبادرين، ورهائن عدسات الكاميرا للمبادرين، يا حورية هؤلاء العصافير هم الضحية الأولى والثانية والثالثة. ضحية ضوضاء الكلمة وصخب الخطاب، هذه الأولى. ضحية استهلاكية استغلاليه، استغلهم المُبادر، وهذه الثانية. أما الثالثة: فإنهم ضحية المجتمع الصامت. أما صافي: فهو ذاك الفتى المُقبل على الحياة، المفعم بالأمل والمثابرة والاجتهاد، لقد قتلوا حِلمهُ بكلماتهم، واستهانوا باحتياجاتهُ التعليمية بعبثيتهم، لقد حولتهُ أفعالهم إلى انسان أمي، بلا هدف، بلا مستقبل. أما البتول: فهنَ صبايا المُخيم، فتاة المدينة، اللاتي أصبحن ارامل بلا سند ولا عضد وهن في مُقتبل العُمر، هُن ضحايا جدد لكاميرا المُبادر. تستعجلهُ حورية بالحديث لتعرف ما هو لُغز الأرقام التي يذكرها وهو في قمة ثمالتهُ. فيقول: أما الثلاثة فهن بناتي، والاثنان اولادي، وأنا فأنا، أما هيْ: فأنها حبيبتي زوجتي الصابرة المُحتسبة ارث من العطاء. أما هو: فذاك منزلنا الدافيء الذي أصبح كومة من الركام، بسبب ضبابية اهدافهم، اعتباطية سلوكهم، غموض رؤيتهم، غياب معيار مدخلاتهم.
يَتنهد هنا السيد الثمل! ثم يصمت، ويهرب بذهنهِ في ذكريات جميلة انتهت بالموت أو الدمار أو الفقد أو البتر أو التشرد. فتردف عيناه شيئاً من الدموع، لم يمنعهُ كبرياءهُ من البكاء، فقد فاق التَحمل اي نوع من الكبرياء. فتنقد الموقف حورية، فتقتحم حورية حرم صمتهِ، معتذرةً! لكن من هم الذين تذكرهم.
هم: المثقف الجاهل، الأكاديمي الفاسد، السياسي الغبي، القائد العبثي، المدير الفاشل، الإداري المُستهتر، صحفي مأجور، النائب المُرتشي. هم أولئك الذين يعتلون المنابر، من تُصبح كلماتهم بلا قيمة من شدة صخب الخطاب، حيث تنتهي أثر كلماتهم بانتهاء الخطاب، هم من يعتلون المنابر يتحدثون عن الصبر وينشدون الفضيلة، هم أولئك الذين يُخطبون بالناس من الصالات المُكيفة، هم أولئك الحزبيين وعناصر التنظيمات الذين سيطر على عقولهم الشيطان، وأصبحوا لا ينتمون للواقع، اسرى الاستهلاكية، اعداء التأمل والإنتاجية. يا حورية: جميعهم جاهل بلا استثناء، اتعرفين من هو العارف يا حورية، ليس أحد ممن ذكرناه بدءً من المثقف إلى النائب نهايةً لأصحاب المنابر. العارف: هو اهل السلوك والخشوع والتقوى، ليس لهم راية أو موكب ويكرهون التهليل، التطبيل، التصفيق، يعترفون بالواقع، يُسمون الأشياء والمصائب بأسمائها الحقيقية دون تجميل، هم اهل الاستقامة والضمير، اذا ماتوا لم يمشي خلفهم احد، تُبكيهم السموات والارض، وتشيعهم الملائكة. العارف هو: من يَتعرف على احتياجات الناس ويتمكن من الإيفاء بها. العارف من يُسهم في صناعة الأفكار بعيداً عن السرد القصصي. هل عرفتي الجاهل من العارف؟ جميعهم لم يكترثوا لوجع أمينة، ولا تُرحكهم نخوة لإنقاذ البتول، ولا يهزهم بُكاء جبل، حتى العصافير سجلوهم أرقام عددية، لم يصنعوا لهم جنازة تليق بالبُسطاء، وايضاً ثلاثتنا واثناننا وانا هي لم يَهمهم منزلنا الذي دمرتهُ كلماتهم وسحقتهُ اجنادتهم، وأصبحت جميلة اسمٌ بلا معنى، كلمةٌ بلا هدف، تغريدة عبثية عشوائية.
فجأةً! يَدخل الشيطان إلى رُكن القراء، المثقفين، الاكادميين، الساسة، اصحاب المنابر. مُخاطباً السياسي قائلًا لهُ مرحباً بك أيها السياسي السمين، الم تشبع بعد؟ ويوجه الشيطان كلماتهُ إلى ذاك المثقف قائلًا لهُ، أما انت تُبهرني تلك المفردات والمصطلحات التي تنتقيها بصورة مطاطية، ضبابية، اعتباطية تحاكي بها معشر المساكين، لقد شوهت شكل جميلة، وعبث بمشاعر أمينة، وانهكت قوى جبل، واستهنت بأحلام صافي، وقهرت البتول، وسحقت العصافير، ودمرت المنازل وشردت ثلاثتهم واثنانهم وهوَ وهيَ. لقد تقوقتما عليه أيها السياسي السمين والمثقف البليد، لقد ضللتهم كلماتكم التي لامست قلوبهم ومنعتهم من أن يَصرخوا، أو أن ينتفضوا لتغيير واقعهم السيء البائس، لقد حولت كلماتكم حياتهم جنة بالرغم من انهم يعيشون الفقر، الموت، الجوع، الاستغلال، الاحتكار، التشرد، النزوح. اي براعة لديك أيها السياسي السمين. يصرخ الشيطان في وجه السمين قائلًا له: انك تعلم انهم يُعانون، ويعيشون الواقع قهرًا والمًا وجوعاً وفقرًا. لماذا لم ترحم نساءهم(امينة)؟ وتشفق على أطفالهم(العصفور والعصفورة)؟ وتُكرم فتيانهم وصباياهم (صافي والبتول)؟ وترأف برجالهم (جبل)؟ لماذا حولت حياتهم جحيماً أيها القائد الغائب المُهاجر بعيدًا؟ تشهد عليك أيها السمين الصالات المكيفة والفنادق الفاخرة والأرصدة البنكية. أما أمينة، جبل، سند، العصافير، صافي، البتول، الثلاثة، الاثنان، هو وهي. فإن مفرداتك المنتقاه وخططك الضبابية وسلوكك الاعتباطي حرمهم الحياة منذُ ثمانية عشر خريفاً، أريد مكافئتك ابها السياسي السمين، فأنت ونظام الحزب مندوباي على هذه البسيطة الصغيرة، لقد حولتم واقع الناس إلى ساحة من الفوضى والنفاق والاستغلال والوباء والأمراض والموت والدمار. ينتفض الشيطان فجأةً ممسكًا برأس السمين الأكبر فتسقط عمامتهُ، ليأخذهُ الشيطان في رحلةٍ سريعةٍ ليريه النساء والأطفال والعجائز في خيام النزوح ومراكز الإيواء حيث يفترشون الأرض ويلتحفون السماء بلا مأوى. ما أن تنتهي مراسم المشهد الأول ليأخذهُ الشيطان في رحلة أخرى سريعة، ليريه حجم البؤس واليأس في وجه رجل أعياه التعب واقفاً على أطلال منزلهُ المدمر، على جبين عجوز ثكلى، على جسم امرأةٍ نحيل في مقتبل العمر غادرها زوجها راحلًا بلا عودة، تاركًا لها اطفالاً رُضع، لم تنتهي المشاهد بعد يا صاحب العمامة التي سقطت، ليأخذه الشيطان في رحلة أخرى، حيث الأطفال مبتوري الأطراف في أروقة المستشفيات بلا علاج، حيث الأطفال في طابور التكية والطعام بدلاً من طابور الصباح المدرسي، ليريه الشيطان ايضاً لصوص المنازل، لصوص المساعدات، ليصرخ الشيطان في وجه صاحب العمامة قائلًا له: اليست العباد والبلاد مسؤلة منك أيها السمين؟ أين موظفوك؟ أين الفضيلة التي اصدعت رؤوس الناس بها؟ أين وأين واين؟ أين أنت؟ هنا أشفق الشيطان على الناس، حاول صاحب العمامة الفقيه الهروب من قبضة الشيطان مُعترفاً له أنه هو من صنع الجحيم على الارض بكلماته الجياشة، مقدماً اعتذارهُ للناس، ويردف صاحب العمامة مخادعاً لقد صنعتُ لهم الجحيم ليفوزوا بالجنة، فيثور الشيطان قائلًا للجميع منهم بدءً من المثقف نهايةً بصاحب العمامة، يجب عليكم أن تُقدموا حساب للمجتمع، حتى يسامحكم الناس، يجب أن تعترفوا بالواقع، هذا اولاً. أن تدفعوا الحقوق للناس كافه، هذا ثانياً. أن تُجبروا الضرر عن الناس كافه، هذا ثالثاً. أن تعدلوا في خطابكم، هذا رابعاً. أن تمنحوا الناس مشروعيتهم، هذا خامساً. يجب أن تُستبدل أماكن البائسون، اليائسون، المقهورين بأماكنكم، وهنا يأمر الشيطان كل السياسي السمين وصاحب العمامة أن يخلعا ما عليهم من نعيمٍ ورفاهية فيصرخ السمين ويصرخ صاحب العمامة لا نستطيع، لا نستطيع! فنحن الفنا الدم و عشقنا الموت، موت الناس استدامة لبقاءنا، قتل الناس استمرار لفكرتنا. تعود حورية للمشهدقائلةً بصوت مفهوم يدركهُ الجميع ممن اعياهم الوجع والقهر والموت والدمار وطول الانتظار. فتقول حورية: أن الوجع والألم واليأس والبؤس ولا الظلم يصنعون ثورة، وإنما الوعي بالأشياء هو من يصنع ثورة، فجميعهم يا سيدي من يجلسون في رُكن القراء الهاديء يعيشون الترف ببذخ، ويقدمون الموعظة ويتحدثون بالحكمة ويسدون بالنصيحة وينشدون الفضيلة بإسم الدين تارة وبإسم الوطن تارة أخرى. فصاحب العمامة مهمتهُ الأولى تغييب الوعي وقتل روح التأمل عند أفراد المجتمع. فيقول السيد الثمل: اتعرفين يا حورية، ماذا فعلوا بنا؟ انهم أسهموا في طمس الهوية الذاتية بداية: من الموروث الحضاري، الإنتاجية الفكرية، المعرفة التراكمية للافراد، السلوك الفردي والسلوك الجمعي، الانتماء والميول. ولقد استطاعوا أن يَعدموا الهوية السلوكية للأفراد ايضاً. تسألهُ حورية: ما هي الهوية السلوكية، يا سيدي؟ يا حورية: الهوية السلوكية مجموعة من العلاقات الاجتماعية المتشابكة، اجزاء تراكمية كل منها مُكملاً للآخر، كل جزء يُسهم في بناء المجتمع، كل جزء يُشكل وحدة إنتاجية تهتم بالشمولية بعيداً عن المنظور الحزبي العقيم، يا حورية: انهم حولوا الحياة إلى منافع ومصالح تنتهي العلاقة بانتهاء الحدث.
تعود حورية فتقول: الم اقل لك بأنك انت وحدك الصادق الصدوق سيدي الثمل، لا تخون، لا تسترق النظرات، لا تكذب، لا تتحرش، لا تسرق، لم تقدم رشوة، لم تقبل رشوة، انت يا سيدي الثمل جميع ما ذكرت بدءً من جميلة، ثم أمينة، فجبل، فسند، العصافير، صافي، البتول، الثلاثة، الاثنان، انتَ، هيَ وهوَ.
فيقول هنا السيد الثمل، يا حورية: نحن الموروث الحضاري من أدبٍ وأخلاق وحُسن تربية، نحن نهرب بثمالتنا من حقيقتهم لنعيش واقعنا الجميل الذي لم تشوهه صراعات الأحزاب، وطغيان اصحاب المنابر، وافتراء الساسة، وكذب الاعلاميين، وفجور التجار، وسطوة اصحاب الجمود العقائدي والفراغ الفكري والتعسفية الإدارية. عزيزتي حورية: الاستدامة دوماً للنقاء والصفاء أن طال الزمن أو قصر، يا حورية لا استدامة للأحزاب لأنهم دولٌ بلا مواطنين. ابنتي حورية الجميلة الواقع الذي كشف حقيقتهم. شُكراً ابنتي الجميلة حورية.
نضال احمد جابر جودة.
الوقائع × الحقيقة.