فرْض رسوم جمركيّة أمريكية على الواردات الإسرائيلية: تحوّلٌ في المعادلة الاقتصادية الدولية وتداعياته المتشابكة على الاقتصاد الفلسطيني.. بقلم/ ديمتري دلياني

في خطوةٍ أربكت جزء كبير من الأوساط الاقتصادية والسياسية في الولايات المتحدة ودولة الاحتلال الاسرائيلي على حدٍّ سواء، أعلنت الإدارة الأمريكية فرض تعرفة جمركية بنسبة 17% على الواردات القادمة من دولة الاحتلال إلى الأسواق الأمريكية، وذلك بعد يومٍ واحد فقط من إقدام سلطات الاحتلال الإسرائيلي على إلغاء كامل ما تبقّى من الرسوم الجمركية على المنتجات الأمريكية الواردة إلى أسواقها، في مسعى استباقي لم يُثمر، كانت غايته احتواء نوايا واشنطن ومنعها من فرض هذه التعرفة. وهكذا، فإن هذه الخطوة جاءت بمثابة صفعة اقتصادية لحليفٍ طالما ظنّ أنّه بمنأى عن الحسابات التجارية، كما هو بمنأى عن الحسابات السياسية، في عهد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
تبلغ قيمة الصادرات الإسرائيلية السنوية إلى الولايات المتحدة قرابة 22 مليار دولار، وتشمل سلعاً عالية القيمة والتقنية مثل الألماس، والأدوية، والمعدات الإلكترونية، ما يجعل القرار الأمريكي ذا أثر بالغ في بنية الاقتصاد الإسرائيلي وميزانه التجاري. ويقوم الأساس الحسابي الذي اعتمدته الإدارة الأمريكية في تقدير التعرفة على معادلة تُقسّم العجز التجاري مع كل دولة على إجمالي صادرات تلك الدولة إلى الولايات المتحدة، ثم يُقسَّم الناتج على اثنين. وبما أن العجز التجاري الأمريكي تجاه إسرائيل بلغ 7 مليارات دولار، فقد أسفرت المعادلة عن فرض تعرفة قدرها 17%.
غير أن ما يُثير الإشكاليات في هذا السياق هو أن هذه المعادلة لا تشمل صادرات الخدمات، والتي تُشكّل قرابة نصف الصادرات الإسرائيلية إلى السوق الأمريكية، معظمها في مجالات التكنولوجيا التي تشكّل نحو 20% من الناتج المحلي الإجمالي الإسرائيلي. ما يعني أن الهيكل الحقيقي للصادرات الإسرائيلية لم يُؤخذ بعين الاعتبار، وأن القرار الأمريكي لم يكن خاليًا من دلالات سياسية مستترة تتجاوز منطق الأرقام المجردة.
وبالرغم من ذلك فلقد اتت ردود الفعل الإسرائيلية مشوبة بالغضب والاستياء. إذ وصف رئيس جمعية الصناعيين الإسرائيليين، رون تومر، القرار الأمريكي بأنه “تخلٍّ من صديق”، في إشارة إلى ما يعتبره الإسرائيليون اختلالًا في ميزان العلاقة الاستراتيجية مع واشنطن. وتذهب التقديرات إلى أنّ هذه التعرفة ستُضعف من قدرة المنتجات الإسرائيلية على التنافس في السوق الأمريكية، مما يُنذر بتقلص حجم الصادرات، وتراجع معدلات النمو، وزعزعة ثقة المستثمرين في استقرار السوق الاسرائيلي الذي يعاني أصلاً منذ ١٨ شهراً بسبب حرب الابادة التي تشنها حكومة بنيامين نتنياهو في قطاع غزة.
هذه القرارات الأمريكية تأتي ضمن إطار سياسة تجارية جديدة تتبنّاها واشنطن، تهدف إلى خفض عجزها التجاري مع الدول الأخرى عبر فرض رسوم جمركية متصاعدة، في مقاربة تبدو أقرب إلى الحمائية منها إلى انفتاح السوق. غير أن لهذه السياسة أبعادًا دولية متشابكة، أبرزها خطر اشتعال حروب تجارية عالمية، وانكماش سلاسل التوريد، وتضخّم الأسعار، بل واحتمال دخول الاقتصاد العالمي في حالة ركود جديدة تُنذر بانعكاسات عميقة على الاقتصادات الهشة.
وهنا، لا يمكن إغفال التأثيرات المحتملة لهذه السياسات على الاقتصاد الفلسطيني، الذي يعتمد بصورة شبه كاملة على السوق الإسرائيلية، حيث تشير الإحصاءات إلى أنّ ما نسبته 88% من الصادرات الفلسطينية تتجه نحو دولة الاحتلال. وعليه، فإن أي تباطؤ في الاقتصاد الإسرائيلي نتيجة الرسوم الجمركية الأمريكية سينعكس مباشرةً على الطلب على السلع الفلسطينية، مما يُنذر بانخفاض الإيرادات، واتساع رقعة البطالة، وتفاقم الأوضاع المعيشية في الأراضي الفلسطينية.
بل إنّ المشهد قد يتجاوز ذلك إلى ما هو أشد خطورة، إذ يُحتمل أن تتأثر المنح والمساعدات الدولية المقدَّمة للسلطة الفلسطينية إذا ما تعرّض الاقتصاد العالمي لركود واسع النطاق بسبب تفاقم النزاعات التجارية المتوقعة نتيجة هذه السياسة الاقتصادية الأمريكية. وقد تتراجع شهية الدول المانحة تجاه الإنفاق الدولي، مما سيُضيف عبئًا جديدًا على خزينة السلطة الفلسطينية.
أمام هذا الواقع، فإن من الحكمة الاقتصادية والضرورة أن تبادر السلطة الفلسطينية إلى انتهاج استراتيجية تنموية بديلة، قائمة على فكّ الارتباط التدريجي مع الاقتصاد الإسرائيلي، وتنويع الشراكات التجارية، وتعزيز علاقاتها الاقتصادية مع أسواق آسيا وأمريكا اللاتينية وأفريقيا. كما لا بد من تبنّي إصلاحات هيكلية جوهرية ترتكز على تحديث البنية التحتية، وتحسين بيئة الاستثمار، وتوسيع القاعدة الإنتاجية في القطاعات القابلة للتصدير رغم المعوقات الاسرائيلية، خاصةً في مجال التكنولوجيا.
إن بناء اقتصاد فلسطيني مقاوم ومستقل ليس ترفًا فكريًا، بل هو ضرورة وجودية في ظل نظام عالمي مضطرب واقتصاد إسرائيلي متقلب. ولا يمكن تحقيق ذلك دون رؤية عميقة تنبع من إدراك فلسفي بأن السيادة الاقتصادية هي جوهر الكرامة الوطنية، وأن العدالة الاقتصادية ليست مجرد مطلب تنموي، بل ركيزة أساسية في مشروع التحرر الوطني.