ماذا لو… كان النقد ضرورة: لا خيانة؟.. بقلم / حلمي أبو طه

في لحظة ارتباك أخلاقي وسياسي، حيث تحتدم الأسئلة وتضيع البوصلة بين مؤيدٍ ومتحفّظ، بين عواصف الأحداث ولهيب المعارك، ومن وسط الجوع والموت الذي يأتي من كل مكان، يتردد سؤال مؤلم ومُلِحّ: ((ماذا لو: كشفت الايام أن الذين انتقدوا المقاومة ظناً بأنفسهم انهم يحسنون صنعاً. ماذا لو. اتضح أن العدو أستند. على رأيهم في تشديد الضغط على المقاومة لتحقيق مكاسب لصالحه. أو أن رأيهم ساهم. بتعزيز روايته أنهم ابرياء ويمارسون الدفاع عن النفس. أو أن رأيهم ساهم في الاساءة للشعب الفلسطيني ومقاومته. هل سيمتلكون الجرأة. ويعترفون بخطأهم،؟  هذا المر سيمر وستكشف الايام من الذين سقطوا وأسقطوا أخرين معهم في وقت كان المفترض منهم أن يثبتوا ويثبتوا الناس)). هذا التساؤل، وإن بدا مرفوضاً لدى البعض، وثقيلاً أو مستفزاً للبعض يفرض نفسه على كثيرين. يُهمَس به في الشارع، في المقاهي، في جلسات النقاش البسيطة، يراود بعض من يحمل انتماءً أو تعاطفاً مع حماس. فهذا الاحتمال وارد لا يمكن تجاهله، وقد لا يُغتفر… ولا يمكن تجاهله، فمثل هذا التساؤل يربك الإنسان البسيط، ويدفعه إلى حيرة داخلية، ما بين الصمت إيماناً بقدسية المقاومة، وبين الخوف من أن يُساء فهمه أو يُتهم بالتثبيط أو النفاق.

لكن، فلنكن واقعيين… هل العدو بحاجة إلى آراء المنتقدين وتفريغاتهم النفسية ليبرر جرائمه؟ هل ينتظر مواقفنا كي يدين المقاومة ويضغط عليها؟ العدو لم يحتاج يوماً إلى إذن منّا ليرتكب مجازره، ولا إلى غطاء أخلاقي ليفرض حصاره ويشنّ حروبه. جرائمه ثابتة، واستهدافه للشعب الفلسطيني ليس رهيناً بنقد أو تأييد. ثم إن من ينتقد لا يعني بالضرورة أنه يسيء إلى الشعب الفلسطيني ولا إلى مقاومته. الفلسطيني، في جوهره، مجبول على المقاومة؛ وجوده في غزة مقاومة، وصموده تحت القصف مقاومة، وانتظاره للغد رغم انكسارات الحاضر مقاومة. فليس من العدل أن نعلّق كل اختلاف في الرأي على شماعة التخوين أو الطعن بالمقاومة.

يا كاتب التاريخ… تمهّل. فماذا لو كان العكس هو الصحيح؟ ماذا لو كشفت الأيام أن الذين انتقدوا لم يفعلوا ذلك خيانةً ولا جهلاً، بل بدافع الحب والحرص لا الكراهية، ماذا لو أنهم رأوا ما لا يريد الآخرون رؤيته: أن بعض التكتيكات أضرت أكثر مما أفادت، وأن بعض المسارات قد تُفضي إلى مألات لا تُحمد عقباها؟ ماذا لو أن تجاهل تلك الأصوات هو ما منح العدو الذريعة؟ وأن تصوير كل نقد وكأنه طعن في “المقدس” ساهم في إضعاف الجبهة الداخلية؟ فصوت التحذير لا يعني الوقوف في صف العدو بل الوقوف على حدود الحقيقة؟ في لحظات كهذه، يختلط المبدأ بالموقف، وتضيع البوصلة بين الحماسة والحكمة. وقد تمر الأيام… بل ستمر، وتكشف من الذي خانه الوعي لا الولاء، ومن الذي سكت في وقت كان يجب أن يتكلم، ومن الذي تكلم فأخطأ التوقيت والوسيلة. لكن في النهاية، التاريخ لا يحكم بالشعارات، بل بما تركناه من أثرٍ، وما حفظناه من وطن.

ماذا لو… كان الرفض الفلسطيني لما طُرح سابقاً هو سبب تعميق الأزمة. ماذا لو أن ذلك الرفض كان عناداً أو تهوراً، ماذا لو تم قبول المطروح لإعادة ترتيب الصفوف، وفرصة لصياغة موقف موحّد ينبني على الحكمة لا الاندفاع، وعلى الواقعية لا الأوهام؟ ربما، وربما فقط، كنا سنشهد مشهداً سياسياً مختلفاً، ربما كان بالإمكان تجنيب شعبنا سنوات أخرى من الحصار والدمار والتجويع. ماذا لو… اخترنا الاحتواء بدل الإقصاء؟ هل كان الخلاف سيتحول إلى فرصة؟ وكانت الأصوات المتحفظة ربما ساهمت في تصحيح المسار، بدل أن تُتهم بالهدم والتثبيط؟ وماذا لو… استُقبل النقد – حتى في أشد لحظاتنا ألماً – باعتباره جزءاً من الوعي الجمعي، لا خروجاً عن الصف؟ هل كانت الجبهة الداخلية لتكون أكثر تماسكاً؟ وكنا تجاوزنا الانقسام الذي كلّفنا أكثر مما تحتمل الأوطان من نزيف الوعي والكرامة؟ وماذا لو… أدركنا باكراً أن العناد وحده لا يُبني دولاً، وأن العزة بلا كفاءة لا تكفي لصد العاصفة؟ هل كنا سنرى نتائج أخرى في المسار الإنساني والسياسي؟

إذا فتحنا باب ((ماذا)) لن نغلقه. لماذا؟؟ لأن لماذا حق مشروع تحمل وجهات نظر يجب أن لا تفرقنا. بل أن تنبّهنا. فهي حق يملكه كل مواطن، وكل أمّ فقدت ابنها، وكل طفل شرد، وكل عائلة عاشت الحصار والجوع والموت، وكل مخلص لم يعد يحتمل المزايدات. “لماذا؟” لا تهدم، بل تُنقذ، لأنها تطرح الأسئلة التي يهرب منها المتعصبون. حتى في التجارب الكبرى، من الجزائر إلى فيتنام، لم تكن التساؤلات خيانة، بل كانت وقوداً لتصحيح المسار. إن هذا الواقع، كما هو، يفرض علينا لحظة صدق مع الذات: أن نسأل، ونعترف، ونتحرّك. لا من باب جلد الذات، ولا تبرئة أحد، بل من باب الإيمان بأن الأوطان لا تُبنى على المكابرة، ولا تتحرر بالشعارات وحدها. لقد آن الأوان أن نرى الأمور كما هي، لا كما نحب أن نراها.

فاستمرار المعاناة لا يجب أن يكون قدراً، ولا تكرار الأخطاء يجب أن يُمنح حصانة.

لا يوجد أي انتصار حقيقي للشعب الفلسطيني في هذا الوقت. فموقف المفاوض الفلسطيني والتمسك المطلق بمواقف غير قابلة للمراجعة، رغم فرضية نقاء دوافعه، لم ينتج إنجازات ملموسة. فرفض بعض المبادرات السابقة لم يحقق الأهداف المرجوة، وجعل المفاوضات أكثر تعقيداً وأقل جدوى، ومساحة ضائعة. الإصرار لم ينتج انتصارات واضحة، بل فتح الباب لتكريس الواقع الحالي في استمرار معاناة الشعب، وتزايد للحصار، وتقليل في الحقوق، وتكريس لسيطرة العدو على المشهد السياسي والجغرافي. ومن يعتقد أن الموقف الحالي أفضل مما كان، يحتاج إلى مراجعة موضوعية تستند إلى واقع ملموس لا إلى أوهام أو مشاعر. الأيام القادمة ستكشف من الذي خدم القضية ومن الذي أضعفها. لكن الثابت أن المسيرة لن تستقيم إلا بحكمة وواقعية لا بزخم المواقف الجامدة.

هذا هو الجواب المهني الصارم على سؤال “ماذا لو”، بعيداً عن التحليل العاطفي أو الدعائي، بل قراءة موضوعية للواقع الذي نعيشه. بل على العكس، أثبت الواقع أن رفض المبادرات السابقة والتشبث بمواقف صارمة لم يأت بنتائج إيجابية، بل أضعف الموقف الفلسطيني، وزاد من أوجاع الناس وآلامهم وجوعهم، وتغول المتغولين من تجار ومرابين. هذا هو الواقع الموضوعي الذي يجب أن نعترف به، بعيداً عن المزايدات، ونتحرك بناء عليه لتغيير واقع لا يخدم سوى استمرار المعاناة. لكن السؤال الأكثر وجعاً: هل نمتلك نحن – جميعاً – شجاعة الاعتراف حين نُخطئ؟ أم سنُصرّ على مواقفنا حتى لو اتضح أنها سقطت بنا وأسقطت غيرنا؟

نحن أمام هذا السؤال المفتوح: ماذا لو…؟ ليس للندم، ولا لزرع الشكوك، ولا للمعايرة، ولا لتسجيل انتصارات وهمية على بعضنا، بل كي نفتح نافذة على احتمالات أخرى، إلى أداة للتعلم، فكلا الفريقين خاسر في لعبة “ماذا لو”. فالتفكير في “ماذا لو…” يجب ألا يعني بالضرورة أننا أخطأنا دوماً، بل يعني أننا نمتلك الشجاعة لمساءلة الخيارات، وللتفكير بما كان يمكن أن يكون، حتى نحسّن ما سيكون. فالأوطان لا تتحمل المكابرة، والتاريخ لا يرحم الغافلين. فهل نملك الجرأة أن نسأل: ماذا لو كانت الحقيقة في منتصف الطريق. ماذا لو كانت الحقيقة في منتصف الطريق. ماذا لو كانت الحقيقة في منتصف الطريق.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com