مؤتمر نيويورك: قراراته ونتائجه وأثره على تحولات الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي..!.. بقلم/ د. عبد الرحيم جاموس

عُقد مؤتمر نيويورك الدولي للسلام في الشرق الأوسط في الفترة ما بين 28 و30 تموز/يوليو 2025، وسط تصاعد القلق الدولي من استمرار المحرقة في غزة وتداعياتها على أمن واستقرار الإقليم، وقد جاء المؤتمر بمبادرة من مجموعة الدول الخمس عشرة التي سبق أن أعلنت دعمها المبدئي للاعتراف بالدولة الفلسطينية، وعلى رأسها فرنسا، بريطانيا، كندا، أستراليا، إسبانيا، وإيرلندا، وبدعم لوجستي وسياسي من الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي.
لقد شكَّل المؤتمر علامة فارقة في المساعي الدولية لإعادة إحياء حل الدولتين، بعد أن وصلت العملية السياسية إلى طريق مسدود، وتعمّق الاحتلال والاستيطان، وتصاعدت جرائم الحرب الإسرائيلية في غزة والضفة الغربية. فقد أكد “إعلان نيويورك للسلام”، في ختام أعمال المؤتمر، على أن السبيل الوحيد لإنهاء الصراع هو التوصل إلى حل الدولتين القائم على أساس حدود الرابع من حزيران 1967م و القدس الشرقية عاصمة لدولة فلسطين، وضرورة وقف فوري لإطلاق النار، وإدخال المساعدات الإنسانية إلى غزة، والوقف التام لأي تغيير ديموغرافي أو تهجير قسري.
ومن أهم ما جاء في البيان الختامي هو دعوة المجتمع الدولي إلى الاعتراف الفوري والمتزامن بدولة فلسطين من قبل الدول غير المعترفة، كمقدمة ضرورية لاستئناف العملية السياسية وفق مرجعيات القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة، بما في ذلك القرار 2334.
كما دعا البيان إلى إرسال بعثة حماية دولية إلى قطاع غزة، وتجميد جميع الأنشطة الاستيطانية، وإطلاق سراح الرهائن و المعتقلين السياسيين، والامتناع عن أي إجراءات أحادية.

ردود الفعل على المؤتمر ونتائجه جاءت متباينة.
فقد رحبت السلطة الفلسطينية والفصائل الوطنية، وعلى رأسها منظمة التحرير الفلسطينية، بمضامين الإعلان، واعتبرته اختراقاً دبلوماسياً يعيد الاعتبار للحق الفلسطيني في الاستقلال والسيادة.
وأعلن الرئيس محمود عباس أن الشعب الفلسطيني مستعد للانخراط في مفاوضات جادة تحت إشراف دولي لتنفيذ حل الدولتين، شريطة وقف العدوان والحصار أولًا.
في المقابل، رفضت الحكومة الإسرائيلية مقررات المؤتمر، واعتبرتها تجاوزًا للواقع القائم ومحاولة لفرض إملاءات دولية .
واتهمت تل أبيب فرنسا وبريطانيا ودول الاتحاد الأوروبي بـ”التحيز” لصالح الفلسطينيين، مهددةً بمزيد من الإجراءات ضد السلطة الفلسطينية.
كما عارضت بعض القوى الأميركية داخل الكونغرس هذه المخرجات، رغم صمت الإدارة الأميركية الرسمي في البداية، قبل أن يصدر بيان من الخارجية الأميركية يدعو إلى “أخذ نتائج المؤتمر بجدية”، لكنه امتنع عن تبني الاعتراف بالدولة الفلسطينية في هذه المرحلة.
ورغم هذه المواقف المتباينة، فقد عُدَّ المؤتمر خطوة مهمة في توسيع دائرة الاعتراف بالدولة الفلسطينية، خاصة بعد إعلان عدد من الدول الأوروبية نيتها الاعتراف خلال هذا العام، إذا لم تُحرز إسرائيل أي تقدم في وقف الاستيطان.
كما يُنتظر أن ينعكس هذا الزخم الدولي في الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها القادمة أيلول/سبتمبر 2025، حيث قد يُطرح مشروع قرار جديد يعترف بفلسطين كدولة كاملة العضوية.
تكمن أهمية هذا المؤتمر في أنه أعاد توجيه بوصلة العالم نحو جوهر الصراع: الاحتلال المستمر وحرمان الشعب الفلسطيني من حقه في تقرير المصير.
كما أنه وضع أساسًا لتحالف دولي جديد قد يُشكل ضاغطًا حقيقيًا على إسرائيل لوقف عدوانها وإنهاء احتلالها.
ومع ذلك، فإن ترجمة هذه القرارات إلى واقع يتطلب توافر إرادة سياسية دولية، ووحدة فلسطينية داخلية، وقدرة على استثمار هذا الإجماع الدولي غير المسبوق.
يبقى التحدي الآن في تحويل الاعتراف السياسي إلى اعتراف قانوني وعملي على الأرض، عبر فرض إجراءات على الاحتلال، ومحاسبته على جرائمه، ودعم بناء مؤسسات الدولة الفلسطينية.
فالاعتراف وحده لا يكفي إن لم يُرفق بخطوات تؤسس فعليًا لقيام الدولة، وتضع حدًّا لزمن التفاوض العبثي والحقائق القسرية التي تُفرض بالقوة على الأرض.
إنّ مؤتمر نيويورك، بقراراته وندائه الواضح، يُعدّ صفارة إنذار للمجتمع الدولي بأسره: لا أمن ولا استقرار في المنطقة دون إنهاء الاحتلال، ولا سلام دون دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة.
فهل تلتقط الدول الكبرى والفاعلة في النظام الدولي هذه الرسالة بجدّية هذه المرة؟
وهل يكون هذا المؤتمر حقًا بداية النهاية لأطول احتلال عرفه العصر الحديث؟ الإجابة رهن الفعل لا التصريحات.
د. عبدالرحيم جاموس
الرياض 31/7/2025

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com