لا يأخذ من الأمير عبد القادر في وضع السّلاح.. معمر حبار

مقدّمة مريرة:
قرأ القارئ المتتبّع عن بعض إخواننا العرب -وبألفاظي-. وهم يستشهدون بوضع سيّدنا الأمير عبد القادر للسّلاح. ويحثّون عبره أسيادنا في غزّة لتسليم أسلحتهم للمحتلّ. اقتداء بالكبير سيّدنا الأمير عبد القادر. وهو الذي حمل السّلاح سبعة عشر من عمره ضدّ الاستدمار الفرنسي.
يظلّ القارئ المتتبّع أنّ ما يتعرّض له أسيادنا في غزّة يفوق الخيال، ولا تطيقه الرّاسيات. ولذلك أخذ عهدا على نفسه ألا يتدخل في الشؤون الداخلية لإخواننا الفلسطينيين -وغيرهم-. ويحترم ما يرونه يناسب وضعهم المؤلم المزري. ولا يحقّ بحال أن يتدخل مقعد في شؤون مقاوم. ومن هنا كانت هذه الأسطر التي تعتمد على الوصف، والتّوضيح، وطرد ما ألصق بوضع السّلاح من تزييف. ودون تبرير لأحد ومهما كان.
التّمسّك بالسّلاح أوّلا، والمفاوضات ثانيا وبالسّلاح:
قوّة الثّورة الجزائرية في أنّها لم تضع سلاحها طيلة سنوات الثّورة الجزائرية. وأمسكت باليمنى السّلاح، وباليسرى قلم الحبر وهي على طاولة المفاوضات. وظلّت على هذا الحال حتّى فرضت شروطها، وحقّقت أهدافها العليا المتمثّلة في: وحدة التّراب الوطني، ووحدة المجتمع الجزائري، والقضاء بشكل نهائي على خلق طوائف في الجزائر، ودولة للمستدمرين والخونة الحركى[1].
رفض سلم الشجعان الذي ينصّ على إلقاء السّلاح:
رفض قادة الثّورة الجزائرية “سلم الشجعان؟ !” الذي نادى به المجرم الجنرال ديغول. ويطلب عبره وضع السّلاح. ورفض أسيادنا وضع السّلاح. وهم يومئذ أضعف عددا، وعدّة من الاستدمار الفرنسي. واشترطوا أن تكون المفاوضات طبقا لمبادئ أوّل نوفمبر 1954[2].
الأمير عبد القادر أجبر على وضع السّلاح:
القارئ لكتاب القسّ[3] يقف على الظروف القاسية الصّعبة التي دفعت سيّدنا الأمير عبد القادر لوضع السّلاح، ومنها: خيانة ابن الدار، والجار، ومحاصرة الاستدمار الفرنسي له، ومنع الهواء والماء والدواء عنه. والإمعان في حصاره، وتجويعه.
ظلّ سيّدنا الأمير عبد القادر متشبّثا بسلاحة رغم الضغوط:
“تعرّض الأمير عبد القادر لإغراءات من طرف العدو الفرنسي ليترك السّلاح فرفض لأنّه أعطى عهدا للجزائريين أن يحارب فرنسا المحتلة فوفى بعهده[4]”.
فهو لم يلق سلاحه رغم الإغراءات التي لم يحلم بها الملوك. وأجبر على وضع سلاحه لظروف تتعدّاه، ولا قبل له بها. وظلّ وفيا للجزائر وهو تحت الإغراءات، والضّغط. ولم يخن الجزائر في الأولى، ولا الثّانية.
ما يجب ذكره في هذا المقام أنّ سيّدنا الأمير عبد القادر وضع سلاحه بعد استيلاء الاستدمار الفرنسي على “الز۟مٙالٙة[5]” التي تحمل قوّته، وأسراره. فلم يعد لها من يومها ظهر يعود إليه، ولا قاعدة مستقرّة، ولا جيش ثابت يستعين به. وقد تفرّق من حوله الكثير من جنده، والقبائل التي كان يجد عندها السّند.
الاقتداء بالأمير عبد القادر:
من كان مقتديا بسيّدنا الأمير عبد القادر. فليقتد به في 17 سنة من زهرة أيّامه التي أفناها في محاربة الاستدمار الفرنسي.
وليقتد به في رفضه للإغراءات التي منحها له الاستدمار الفرنسي ليلقي سلاحه. وهي إغراءات يحلم بها السّلاطين.
ذلّ، ومهانة وضع السّلاح:
بعدما وضع الأمير عبد القادر السّلاح. وتعهد لفرنسا المحتلّة ألا يحاربها. عامله الاستدمار الفرنسي بسجنه خمس سنوات. وفي ظروف مهينة، ومذلّة له، ولمن معه من رجال ونساء وأطفال وفتيات. وتعرّض عدد منهم للموت جرّاء تغيّر ظروف الحياة المناخية. وبسبب البرودة الشديدة في سجن لامبواز، وفقدان وسائل التدفئة، وانعدام اللّباس الكافي لمواجهة الرطوبة والبرودة. ومن أراد التّفصيل فليقرأ الكتاب المذكور في الهامش[6]. ويكفي أنّ سجن سيّدنا الأمير عبد القادر هو مهانة، وذلّ، وخيانة.
ويفهم من هذا أنّ كلّ من يضع سلاحه يعامل في أحسن الأحوال -أقول: في أحسن الأحوال- بالسّجن لمدّة خمس سنوات، وفي ظروف كلّها ذلّة، ومهانة لا تليق أبدا بحامل السّلاح، وبمن يدافع عن أرضه وعرضه.
لا تقتد بالأمير عبد القادر في وضع السّلاح:
أرغم سيّدنا الأمير عبد القادر على وضع السّلاح. ولم يضعه من تلقاء نفسه وبإرادته. ومن كان كذلك لا يأخذ منه في هذه النّقطة بالذّات. أي تسليم السّلاح. ويأخذ منه في صفات أخرى، كـ: بطولته، وشجاعته، ووفائه، وإخلاصه، ونقائه، وصفائه، وعظمته.
الخميس 12 صفر 1447هـ، الموافق لـ 7 أوت 2025
الشرفة – الشلف – الجزائر
[1] بن يوسف بن خدة: “شهادات ومواقف”، للسيّد بن يوسف بن خدة رحمة الله عليه، دار النعمان، برج الكيفان، الجزائر العاصمة، الجزائر، الطبعة الأولى 1425هـ – 2004، من 600 صفحة.
[2] René gallissot, « Les Accords d’Évian en conjoncture et en longue durrée », Préface de Daho DJERBAL, Casbah Éditions, Alger, Algérie, 2011, Contient 267 Pages.
[3] ANTOINE Adolphe DUPUCH « ABD-EL-KADER L’LLUSTRE CAPTIF DU CHATEAU D’AMBOISE», Fondation EMIR ABDEELKADER, Edition DAHLAB, ALERIE, Contient 113 Pages.
[4] مقالنا: الوفاء بالعهد لدى الأمير عبد القادر – معمر حبار
الثلاثاء 13 شوال 1442 هـ الموافق لـ 25 ماي 2021
[5] RENSEIGNEMENT HISTORIQUE
SUR LA ZMALA D’ABD-EL-KADER, le duc d’aumale, paris, imprimerie lange lévy, Contient 16 pages.
[6] Amel Chaouti: “Les Algériennes du château d’Amboise. La suite d’émir Abd el Kader”, Édition Sedia, 1er semestre, 2016, Alger, Algérie, Contient 176 Pages.
–الشلف – الجزائر
معمر حبار