العلاقات الجزائرية الفرنسية بين الطلاق والخلع.. موسى عزوڨ

تشهد العلاقات الفرنسية-الجزائرية منذ عقود تقلبات متكررة، متأثرة بإرث استعماري معقد، وتحديات معاصرة تتعلق بالهجرة، الأمن، والتعاون الدبلوماسي ،وكان يظهر في الجانب الفرنسي وزير الداخلية والسفير الفرنسي السابق في الجزائر كزافيي دريونكور وحتى بعض الصحفيين كمتشددين في مقابل التهدئة التي يظهرها رئيس جمهوريتهم ماكرون ، لدرجة ان الجانب الجزائري صدق ذلك ؟ وذهب كثيرون في هذا التحليل وكنت من الذين كانوا يحذرون من ذلك بل متأكد من وصف انهم ملة واحدة. لكن شهر اوت 2025 خرج الرئيس الفرنسي شخصيا برسالة لرئيس حكومته يحرض على الحزم ويهدد من طرف خفي باخراج ما خفي وهكذا تصاعدت التوترات اكثر بين البلدين إثر قرارات متبادلة بتعليق والغاء اتفاقية 2013 المتعلقة بإعفاء حاملي الجوازات الدبلوماسية والرسمية من التأشيرات، إلى جانب إجراءات جزائرية لإنهاء الامتيازات العقارية الممنوحة لفرنسا

. تثير هذه التطورات تساؤلات حول مدى قدرة الطرفين على إدارة الخلافات دون الإضرار بالمصالح المشتركة، وما إذا كانت هذه الإجراءات تعكس تصعيدًا مؤقتًا أم تحولًا استراتيجيًا في العلاقات. كيف يمكن تقييم موقفي الطرفين من الناحية القانونية والسياسية؟ وما هي السبل لتجاوز هذه الأزمة؟ يهدف هذا التحليل إلى فحص رسالة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وبيان وزارة الخارجية الجزائرية، باستخدام نهج يشبه الدعوى الإدارية، لفهم الوقائع، الإجراءات، والتداعيات، وصولاً إلى اقتراح حلول.

1- اولا : رسالة الماكر ماكرون لرئيس حكومته :

– حيث انه بتاريخ : 06اوت 2025 صدرت رسالة غير متوقعة من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون .

السياق: الرسالة موجهة إلى رئيس الوزراء الفرنسي، فرانسوا بايرو، وتتناول الصعوبات في التعاون مع الجزائر في مجالات الهجرة والأمن. تشير إلى قضايا مثل سجن المواطنين الفرنسيين-الجزائريين (بوعلام صنصال وكريستوف غلييز)، وعدم احترام الجزائر لاتفاقيات ثنائية (1994 و2013)، وتوقف التعاون القنصلي.

الإجراءات المعلنة:

1- تعليق اتفاقية 2013 التي تعفي حاملي الجوازات الدبلوماسية والرسمية الجزائرية من التأشيرة. 2- طلب من وزير الداخلية تطبيق تدابير قانون مراقبة الهجرة لعام 2024 (CIAI)، بما في ذلك رفض التأشيرات لحاملي الجوازات الدبلوماسية والخدمية. 3- طلب من وزير الخارجية إبلاغ الجزائر رسميًا بهذا التعليق والتنسيق مع فضاء شنغن.4- التركيز على ترحيل الجزائريين غير النظاميين، خاصة الخارجين من السجون أو المحتجزين إداريا، مع الإشارة إلى هجوم ميلوز كمبرر.5-كما ربط استئناف التعاون بتحسين الأوضاع القنصلية، بما في ذلك عودة السفير الفرنسي إلى الجزائر.

الأهداف المعلنة:

استعادة علاقات فعالة تخدم مصالح الشعب الفرنسي أولاً، مع معالجة قضايا حساسة مثل الذاكرة الاستعمارية، ديون الاستشفاء، ومواقع التجارب النووية الفرنسية في الجزائر.

النبرة: دبلوماسية ولكن حازمة، مع تلميحات إلى “الابتزاز” (chantage) عبر تسريب محتمل للرسالة للضغط على الجزائر.

2- ثانيا :  بيان وزارة الخارجية الجزائرية  :

– حيث انه بتاريخ : 07 اوت 2025 صدربيان وزارة الخارجية الجزائرية.مطلعه ان السلطات الجزائرية قامت بدراسة متأنية للرسالة الفرنسية .

السياق: ردًا على الإجراءات الفرنسية، استدعت الجزائر القائم بأعمال السفارة الفرنسية وسلمته مذكرتين شفويتين.

الإجراءات المعلنة:

– إلغاء اتفاقية 2013، وفرض التأشيرة على حاملي الجوازات الدبلوماسية والرسمية الفرنسية بشكل فوري.

– إنهاء الامتيازات العقارية المجانية الممنوحة للسفارة الفرنسية منذ 1962، وإعادة النظر في عقود الإيجار التفضيلية.

– دعوة الجانب الفرنسي لإرسال وفد للتفاوض حول ملف العقارات.

– التأكيد على مبدأ المعاملة بالمثل، مع الاحتفاظ بحق الجزائر في فرض شروط مماثلة على التأشيرات.

الأهداف المعلنة:

– رفض “الاستفزاز والضغط والابتزاز” الفرنسي، وتأكيد السيادة الجزائرية من خلال تطبيق مبدأ المعاملة بالمثل.

– النبرة: حادة ودفاعية، مع التركيز على السيادة الوطنية ورفض الإملاءات الفرنسية.

الإجراءات1. الإجراءات الفرنسية : تعليق اتفاقية 2013: قرار قانوني يستند إلى عدم التزام الجزائر بالتعاون في إعادة قبول مواطنيها، خاصة في سياق الهجرة غير النظامية. تفعيل قانون CIAI (2024): استخدام آلية رفض التأشيرات السريع (LVR) لتقييد دخول المسؤولين الجزائريين. التنسيق مع شنغن: محاولة لضمان فعالية القرار على المستوى الأوروبي. الضغط على التعاون القنصلي: ربط استئناف العلاقات الدبلوماسية بتحسين التعاون في إصدار تصاريح المرور القنصلية وتسهيل الترحيل. الإشارة إلى قضايا حساسة: مثل الذاكرة الاستعمارية ومواقع التجارب النووية، مما يعكس استراتيجية شاملة للضغط.

الإجراءات الجزائرية : إلغاء اتفاقية 2013: رد متماثل على الإجراء الفرنسي، مع التأكيد على السيادة من خلال فرض التأشيرات. إنهاء الامتيازات العقارية: قرار يستهدف إعادة التوازن في الامتيازات الدبلوماسية، مع الإشارة إلى عدم تمتع البعثة الجزائرية في فرنسا بامتيازات مماثلة. دعوة للتفاوض: فتح قناة حوار حول ملف العقارات، مع الإبقاء على موقف صلب. التأكيد على المعاملة بالمثل: نهج استراتيجي لضمان المساواة في المعاملة الدبلوماسية.

التقييم القانوني والسياسي :

 تقييم رسالة ماكرونالأسس القانونية:الشرعية: قرار تعليق اتفاقية 2013 يستند إلى عدم التزام الجزائر بالتزاماتها بموجب اتفاقيات ثنائية (1994 و2013). قانون CIAI لعام 2024 يوفر أساسًا قانونيًا لتقييد التأشيرات.

النقاط الضعيفة: الرسالة لا توضح آليات تنفيذ التعليق داخل فضاء شنغن، مما قد يثير تحديات عملية. كما أن الإشارة إلى قضايا حساسة (مثل التجارب النووية) دون تفاصيل واضحة قد تُفسر كمحاولة للتصعيد السياسي.

الأسس السياسية: القوة الرسالة تعكس موقفًا حازمًا يهدف إلى استعادة مصداقية فرنسا في إدارة الهجرة غير النظامية، خاصة بعد هجوم ميلوز. استخدام قضايا مثل سجن صنصال وغلييز يعزز الرواية الفرنسية حول انتهاكات الجزائر لحقوق مواطنيها المزدوجي الجنسية.

الضعف: التسريب المحتمل للرسالة قد يُفسر كمحاولة ابتزاز، مما يعقد الحوار الثنائي. كما أن التركيز على مصالح الشعب الفرنسي “أولاً” قد يُنظر إليه كاستعلاء استعماري في الجزائر.

النبرة: الرسالة تجمع بين الدبلوماسية والحزم، لكن الإشارة إلى قضايا تاريخية وحساسة (مثل الذاكرة الاستعمارية) تضيف تعقيدًا قد يُفسر كاستفزاز.

  1. تقييم بيان الخارجية الجزائريةالأسس القانونية:

– الشرعية: قرار إلغاء اتفاقية 2013 وفرض التأشيرات يتماشى مع مبدأ المعاملة بالمثل، وهو مبدأ معترف به دوليًا. إنهاء الامتيازات العقارية يستند إلى حق الجزائر في إعادة تقييم الاتفاقيات التفضيلية.

النقاط الضعيفة: البيان لا يوضح كيفية تطبيق شروط التأشيرات الجديدة أو تأثيرها على العلاقات الدبلوماسية. كما أن الإشارة إلى “الاستفزاز والابتزاز” قد تُفسر كلغة تصعيدية غير ضرورية.

– الأسس السياسية:القوة: البيان يعزز صورة الجزائر كدولة سيادية ترفض الضغوط الخارجية. إنهاء الامتيازات العقارية يُظهر استعداد الجزائر لاتخاذ إجراءات ملموسة ردًا على فرنسا.

– الضعف: النبرة الحادة قد تُصعب فتح قنوات حوار دبلوماسية. كما أن عدم الإشارة إلى قضايا مثل سجن المواطنين الفرنسيين-الجزائريين أو التعاون في ملف الهجرة يترك انطباعًا بعدم الرغبة في معالجة هذه القضايا بشكل مباشر.

– النبرة: دفاعية وصلبة، مع تركيز واضح على السيادة الوطنية، لكنها تفتقر إلى مقترحات بناءة لحل الأزمة.

– النتائج المحتملة تصعيد التوترات: إجراءات الطرفين (تعليق الاتفاقية، فرض التأشيرات، إنهاء الامتيازات العقارية) قد تؤدي إلى مزيد من التدهور في العلاقات الثنائية، خاصة إذا استمر الخطاب التصعيدي. تأثير على الهجرة والتعاون القنصلي: فرض التأشيرات المتبادلة قد يعيق السفر الدبلوماسي ويؤثر على الجالية الجزائرية في فرنسا والفرنسيين في الجزائر. عدم التعاون في إعادة قبول المهاجرين غير النظاميين قد يزيد التوترات الاجتماعية في فرنسا.

– تداعيات اقتصادية: إنهاء الامتيازات العقارية قد يؤثر على المصالح الفرنسية في الجزائر، خاصة الشركات التي تعتمد على الوجود الدبلوماسي. كما أن تقييد التأشيرات قد يقلل من تدفقات السياحة والأعمال.

– فرص الحوار: دعوة الجزائر للتفاوض حول ملف العقارات تفتح نافذة للحوار، لكن نجاحها يعتمد على تخفيف التوترات وتجنب التصعيد الإعلامي.

– التأثير على الذاكرة الاستعمارية: إثارة قضايا مثل الذاكرة الاستعمارية والتجارب النووية قد تفتح نقاشات حساسة، لكنها قد تؤدي أيضًا إلى تعقيد العلاقات إذا لم تُدار بحذر.

يجب ملاحظة ان رسالة ماكرون: تتميز بالدقة والحزم والتركيز على المصالح الفرنسية، مع أسس قانونية قوية تستند إلى اتفاقيات ثنائية وقوانين داخلية. ومع ذلك، التسريب المحتمل والإشارة إلى قضايا حساسة قد يفسر كمحاولة للضغط السياسي، مما يضعفها ويضعف فرص الحوار البناء. ورب ضارة نافعة ؟ فقد يكون هذا الابتزاز فرصة للجزائر كدولة وشعب ان تستفاد من ذلك استفادة مزدوجة ، فمن جهة تقليص التواجد الدبلوماسي الكثيف وغير المبرر في فرنسا وما يتبعه من مصاريف وبالعملة الصعبة ؟ ومن جهة اخرى استعادة العقارات المجانية …

وفي المقابل يلاحظ على بيان الخارجية الجزائرية: اساسا يعكس موقفا سياديا قويا ويستند إلى مبدأ المعاملة بالمثل، لكنه يفتقر إلى مقترحات بناءة لحل الأزمة، مما قد يعزز التصعيد بدلاً من تهدئته.

ربما نقول في الختام انه من الضروري لتجنب الطلاق او الخلع  الابتعاد عن التصعيد الإعلامي و التسريبات أو التصريحات الاستفزازية لتجنب تأجيج الرأي العام. ومعالجة القضايا الحساسة بحذر، من خلال هذه الخطوات، يمكن للطرفين تجاوز الأزمة الحالية وبناء شراكة مستدامة تحترم السيادة المتبادلة وتخدم مصالح الشعبين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com