فلسطين والاعتراف الدولي… حين ينطق العارف بلسان المظلل.. بقلم/ حلمي أبو طه

في زمن الالتباس، يصبح لزاماً الردّ على من يتحدثون في غير تخصّصهم، خصوصاً عندما ينطقون باسم قضيةٍ بحجم فلسطين. ففي كل مرة يخرج علينا أحدهم: بـ”نظرية جديدة”، يُفاجئنا بطرح يتجاهل التاريخ، ويتجاوز الحقائق، وكأن ذاكرة الشعوب قد مُسحت بالكامل. ولا أدري إن كان يظن أننا لا نقرأ، أو أننا لم نعِ التاريخ، أو أنه ببساطة يوجه حديثه إلى قطيع بلا ذاكرة. فحين يصدر تصريح عن قيادي في حركة مقاومة يقول فيه: “هل تجرأت أي دولة أن تعترف بفلسطين قبل السابع من أكتوبر؟” فإننا لا نواجه مجرد زلة لسان، بل أمام خلل حقيقي في الوعي السياسي والتاريخي، يُسقط قرابة قرن من النضال الوطني الفلسطيني، ويمنح مرحلةً واحدة من الصراع منزلة لم تدّعها حتى المقاومة نفسها. فجغرافيا الاعتراف لا تبدأ من غزة فدولة فلسطين لم تولد في السابع من أكتوبر 2023، بل وُلدت في رحم النكبة، ونمت في كفاح الشعب، وتكرّست على الخارطة السياسية الدولية منذ إعلان الاستقلال في الجزائر في 1988، حين اعترفت بها عشرات الدول في أيام معدودة، وتوالى بعدها الاعتراف حتى بلغ اليوم أكثر من 140 دولة. فهل لم “تجرؤ” كل تلك الدول؟ أم أن الذاكرة قصيرة؟

أن يصدر مثل هذا التصريح عن الدكتور غازي حمد أمرٌ لا يليق بشخص شغل منصب وكيل ونائب وزير الخارجية الفلسطينية، والمتحدث باسم الحكومة في غزة. ويدرك بحكم موقعه الوظيفي والقيادي، كل ما يتصل بالدبلوماسية والعلاقات الدولية. ويعلم أن فلسطين في الأمم المتحدة… منذ عقود بدأت في 1974، حيث اعترفت الأمم المتحدة بـ منظمة التحرير الفلسطينية كممثل شرعي ووحيد للشعب الفلسطيني، وهو ما أكده مؤتمر القمة العربية في نفس السنة. وعقب إعلان الاستقلال 1988، قدمت م.ت.ف طلب العضوية باسم “دولة فلسطين”، وبدأ الاعتراف الدولي يتوسع. ففي 2012، وبقرار تاريخي من الجمعية العامة للأمم المتحدة (القرار 67/19)، تم التصويت بالأغلبية الساحقة لمنح فلسطين صفة “دولة غير عضو” في الأمم المتحدة. وصوّت لصالح القرار 138 دولة، مقابل معارضة 9 فقط. وفي 2019، تم انتخاب دولة فلسطين رئيساً لـ مجموعة الـ77 + الصين، وهي أكبر تكتل تفاوضي في الأمم المتحدة. فهذا المنصب لا يُمنح إلا لدولة تحظى بالاحترام والاعتراف، وتستوفي شروط القيادة الدبلوماسية.

كل هذا تم قبل السابع من أكتوبر. أفلا يستحق هذا أدنى مراجعة قبل إطلاق الأحكام؟ أم أن من حقق هذا الإنجاز هم كفار فلسطين، كما تدعي بعض خطابات حركة حماس! حين ادعت: أن الإسلام دخل غزة في حقبة نمو الحركة الإسلامية. الحقيقة واضحة، وموثقة: فكل هذا هو نتيجة عقود من النضال السياسي والدبلوماسي الذي قادته منظمة التحرير الفلسطينية، وساهمت فيه النخب الوطنية والفكرية، وأثمر مع الزمن. فمن يختزل نضال شعب وقضية عمرها أكثر من 75 سنة في تاريخ واحد، إمّا جاهل، أو مغرض. فالاعتراف الدولي بفلسطين لم يكن منّة من أحد، ولم يكن وليد حدث عابر، بل هو ثمرة دماء الشهداء، ومعاناة الأسرى، وتضحيات الشتات، وعمل دبلوماسي طويل لا يحق لأحد أن يلغي تاريخه.

فهل نسينا انتصارات الدبلوماسية الفلسطينية؟ والتي ُرفعت رايتها في الأمم المتحدة في 2015. وتمتلك سفارات وبعثات دبلوماسية في أكثر من 90 دولة. تُعامل كباقي الدول في المحافل الدولية باستثناء التصويت الكامل. كما لا يمكن إنكار الدور الحيوي الحديث الذي تلعبه الدبلوماسية الفلسطينية حول العالم، ولعل لنا في السفير الدكتور حسام زملط، ممثل فلسطين في المملكة المتحدة، مثالاً بارزاً على الأداء الوطني المشرّف، لما يتمتع به من كفاءة وجرأة، وخطاب عقلاني وشجاعة جعلت صوت فلسطين مسموعاً في المنابر الدولية. وكذلك السفير رياض منصور ممثل فلسطين الدائم في الأمم المتحدة، الذي دافع بثبات عن حقوق شعبنا في أروقة المنظمة الدولية، مشيداً في أكثر من مناسبة بأن “الشعب الفلسطيني ليس مجرد ضحية، في مواجهة نظام الفصل العنصري. بل فاعل في صناعة تاريخه رغم العدوان والحصار”. وغيرهم من الكفاءات الدبلوماسية الذين يعملون بصمت وإخلاص، ويحققون لفلسطين حضوراً ومكانة بين الأمم.

ايضاً قرارات محكمة العدل الدولية حول الاحتلال والاستيطان حملت اسم “دولة فلسطين” رسمياً. فأي جرأة أكثر من تلك التي أظهرتها دول اختارت الاعتراف بفلسطين رغم الضغوط الأمريكية والإسرائيلية؟ حتى أوروبا… لم تصمت رغم تواطؤ بعض الأنظمة الغربية مع الاحتلال، فإن ذلك لم يمنع دولاً أوروبية وازنة من الاعتراف بدولة فلسطين أو دعمها دبلوماسياً. وبموجب القانون الدولي فالاعتراف القانوني لا يُمنح إلا لدولة. وفي مسار موازٍ، انخرطت دولة فلسطين في المسارات القانونية الدولية: حيث انضمت إلى محكمة الجنايات الدولية (ICC) في 2015. ورفعت شكاوى قانونية ضد قادة الاحتلال، وتم قبولها رسمياً. وشاركت في طلب رأي استشاري من محكمة العدل الدولية (ICJ) بشأن شرعية الاحتلال.فهذا التفاعل لا يتاح لكيانات غير معترف بها، بل هو دليل إضافي على “الجرأة الدولية” التي يدّعي البعض أنها لم تكن موجودة.

كما لا يمكن تجاهل الدور المحوري الذي لعبته الجاليات الفلسطينية في مختلف دول العالم، والتي تحوّلت إلى أدوات ضغط شعبي ورسمي على الحكومات. حيث ساهمت بقوة في تحريك الرأي العام والضغط على صانعي القرار، وتصدّرت المشهد في حملات الدعم والتضامن مع شعبنا. ويكفي أن نُشير إلى ما جاء في تقرير منظمة العفو الدولية (2024) بأن “التحركات الشعبية الدولية، خصوصاً من الجاليات الفلسطينية، كانت عاملاً حاسماً في تغيير نبرة الخطاب السياسي في عدة عواصم غربية تجاه غزة”. فهؤلاء الأبطال من دبلوماسيين وأفراد جاليات، كسروا جدار الصمت، وجرؤوا على اقتحام الممنوع حتى باتت القضية الفلسطينية حاضرة على كل منبر. فهل جزاءهم النكران؟

لا تُحوّلوا المقاومة إلى عقيدة إنكار. نحن نقدّر تضحيات المقاومة، ونفهم التحوّل الرمزي الفاعل الذي صنعه السابع من أكتوبر في عيون الشعوب الغاضبة على الاحتلال، فالعدوان الذي تلا السابع من أكتوبر سلط الضوء مجدداً على المأساة الفلسطينية، وحرّك ضمائر دولية جديدة – ولكن لا يحق لأي فصيل أن يحتكر التاريخ أو أن يمحو ما أنجزه غيره. أن تُنكر ما قبل السابع من أكتوبر، يعني أنك تتنكر لتاريخ طويل من الشهداء، والأسرى، والبعثات، والمنفيين، والوفود التي جابت العالم لتشرح قضيتنا بلغات الأرض كلها. واليوم للأسف نقف امام تبسيط ساذج وسلبٌ غير مبرر لنضال طويل ومعقد، قادته القيادات الوطنية والدبلوماسية لعقود، وليس مقاومة الصواريخ فقط. فهذه ليست مقاومة، بل مقاومة مشوشة الذاكرة.

ومن المفارقة الغريبة أن حركة حماس ذاتها كانت تهاجم السلطة الفلسطينية أحياناً لتغليبها “المسار الدبلوماسي”، لكنها الآن تُعلن أن الاعترافات الدولية جاءت بعد السابع من أكتوبر. فهل كانت هذه الساحة الدبلوماسية موجودة فجأة، أم أن البنية التي سُخرت منها هي التي مهدت لهذا التقدير العالمي؟ فالسياسة لا تبدأ من تحت الركام، بل من إرث طويل يحتاج إلى من يعقله، لا من يسخر منه. فمن المؤسف أن تنكروا – كقيادات في حركة حماس – هذا الجهد الوطني الجبّار، لمجرد أنه لا ينسجم مع سرديتكم أو لا يخدم خطابكم الإقصائي، الذي دأب على احتكار الحقيقة وتهميش الآخرين. أنتم لا تؤمنون بالشراكة الوطنية، ولا تقيمون وزناً للتعددية السياسية، وهذا ما أثبته سلوككم طوال السنوات الماضية. أنكم لا تطيقون الاعتراف بأي جهد لا يصدر منكم، ما يعكس سلوكاً إقصائياً متمادياً، لا يعترف بالتعددية، ولا يفسح المجال للشراكة. أنتم لا تؤمنون بالوطن للجميع، بل بالفصيل الواحد والراية الواحدة، التي لا تُرفع إلا بإذنكم!

وكم مرة، يا دكتور غازي، جاءت تصريحاتكم لتسيء للشعب الفلسطيني، بما تحمله من تعالٍ واستعلاء. فخطابكم السياسي يعاني من الإنفصال عن الواقع، ويجسّد عقلية منغلقة لا ترى العالم إلا من زاوية واحدة، وهي زاوية السلطة. وكأنكم أوصياء على الحقيقة دون غيركم. تصريحاتكم لا تنمّ إلا عن حالة من التسلّط السياسي، ولا تخلو من عوار إدراكي بات أقرب إلى ما يمكن تسميته بـ”الخرف السياسي”. ويكشف عن نزعة نرجسية وخطاب لا يليق بمن يتصدى للشأن العام. يتطلب وقفة، لا استمراراً في المكابرة. القضية أكبر من فصيل، وأكبر من خطاب شعبوي مؤقت. فلسطين تستحق خطاباً وطنياً جامعاً، لا خطاباً ينضح بالاستئثار والإنكار. لا عيب في أن يكون الإنسان حرفياً، أو صاحب مهنة، طبيباً بيطرياً، مهندساً، أو تاجراً، فكل مهنة شريفة لها قدرها، ولكن العيب كل العيب أن يتحدث أحدهم في السياسة الدولية بغرض التحريف، ثم يُنصّب نفسه حارساً للحقيقة، ويهين تاريخ شعب بجملة واحدة، نافياً تاريخاً بأكمله بجملة لا تليق لا بصاحب قضية، ولا بمن يدّعي الانتماء لها. فالسياسة الدولية ليست حقلاً للتجريب أو لادعاء البطولة.

من لا يعرف تدرجات الشرعية الدولية، ولا قرارات مجلس الأمن والجمعية العامة، ولا تطورات الاعترافات الدولية بالقضية الفلسطينية، لا يحق له الحديث باسمها. فالتاريخ ليس عدواً للمقاومة، بل هو رصيدها. والشرعية الدولية ليست خصماً للنضال، بل واحدة من ساحاته. وفلسطين أكبر من اختزال، وأعمق من تصريح غازي حمد، عضو المكتب الساسي لحركة حماس. وإن حمل انفعالاً سياسياً، إلا أنه في مجمله تدليس وتظليل وافتراء يؤذي الرواية الفلسطينية ويهين ذاكرة شعبنا ومكتسباته. ففلسطين كانت وستبقى مشروعاً وطنياً تحررياً شاملاً، ساهم فيه المقاوم والدبلوماسي، العامل والفلاح، المثقف واللاجئ، من الخندق ومن المنبر، من فوق الأرض ومن المنافي. ومن يجهل هذا التاريخ، فليصمت على الأقل، احتراماً لمن صنعوه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com