تأمل غبطة الكاردينال بييرباتيستا بيتسابالا: الأَحَد الثّاني والعِشرون من الزَّمن العادي (ج)

القدس – ابو انطون سنيورة – بقلم الكاردينال بييرباتيستا بيتسابالا بطريرك القدس للاتين
٣١ آب ٢٠٢٥
الأَحَد الثّاني والعِشرون من الزَّمن العادي “ج”
لوقا 14-7.1:14
إِنَّ تَلْبِيَةَ دَعْوَةِ أَحَدِ رُؤَساءِ الفَرِّيسِيِّينَ لِتَناوُلِ الغِذاءِ في مَنْزِلِهِ، قَدَّمَتْ لِلرَّبِّ يَسوعَ فُرْصَةً لِلتَّأمُّلِ وَمُشارَكَةِ أَفْكارِهِ مَعَ الْمَدْعُوِّينَ الآخَرينَ.
يَبدَأُ يَسوعُ تَأمُّلَهُ بِما يُلاحِظُهُ عَنِ الضُّيُوفِ، وكَعادَتِهِ يَنطَلِقُ مِمَّا يَراهُ بِعَينَيهِ لِيَقودَ السَّامِعينَ إلى آفَاقٍ أَرحَب، فَيَكشِفُ أَمامَهُم أَسرارَ الحَياةِ ومَعنَى الوُجودِ، ويُعَرِّي الأَوهامَ الَّتي يَتَعَلَّقُ بِها البَشَرُ عَبَثًا.
يَضرِبُ الرَّبُّ مَثَلَينِ قَصيرَين: الأوَّل عن اختِيارِ أماكِنِ الجُلوسِ في العُرسِ (لو 14: 8-10)، والثّاني عن دَعوَةِ الذين لا يَستَطيعونَ أَن يَرُدُّوا لَكَ الجَميلَ (لو 14: 12-14).
لَقَد لاحَظَ يَسوعُ كَيفَ كانَ المَدعُوُّونَ يَتَهَافَتونَ إلى المَقاعِدِ الأُولى («وَقَد رَأى كَيفَ يَتَخَيَّرونَ ٱلمَقاعِدَ ٱلأُولى» – لو 14: 7)، أَي تِلكَ الَّتي تَمنَحُ شَرفًا أَعظَمَ ومَكانَةً أَرفَع، ولعلَّ هذا التصرّفَ يَبدو في الظاهرِ سطحيًّا، لكنَّهُ يَكشِفُ عَن نَزعَةٍ عَميقَةٍ في قَلبِ الإِنسانِ، مِثلَ الرَّغبَةِ في التَّفَوُّقِ، في أَن يُعتَبَرَ عالِيَ الشَّأنِ وفي أَن يَحظَى بِمَكانَةٍ مَرموقَة في هذه الحياة.
إِنَّنا لا نَكْتَفِي بِالشُّهْرَةِ أَوْ بِأَنْ نُكَرَّمَ وَنُحْظَى بِالاحْتِرامِ، بَلْ نُرِيدُ أَنْ نَكُونَ أَكْثَرَ مِن غَيْرِنا وَأَنْ نَتَفَوَّقَ عَلَيْهِم، أَنْ نَكُونَ الأَوَّلِينَ، وَأَنْ نَحْظَى بِمُعامَلَةٍ خاصَّةٍ، وَهُنا يُؤَكِّدُ يَسوعُ في مَثَلِهِ ِ: «إِذا دُعيتَ إِلى عُرس، فَلا تَجلِسْ في ٱلمَقعَدِ ٱلأَوَّل» (لو 14: 8).
ولِماذا لا يَنبَغي لِلإِنسانِ أَن يَضَعَ نَفسَهُ في الصَّدارَة؟ أَهُوَ لأَنَّهُ أَقلُّ شَأنًا؟ كَلَّا، لَيسَ هذا هُوَ المَقصود، فَلَو كانَ الأَمرُ كَذلِكَ لَبَقِينا ضِمنَ مَنطِقِ العالَمِ الَّذي يُصَنِّفُ النَّاسَ أَوائِلَ وآخِرين، مُنتَصِرينَ وخاسِرين.
المَسيحُ يُذَكِّرُنا بِبَساطَةٍ أَنَّ مَنطِقَ مَلَكوتِ الله لا يَقومُ عَلى عَقليَّةِ التَّفَوُّقِ بأيِّ ثَمَن، فَالمَلَكوتُ لا تَسودُهُ شَريعَةُ الأَقوى أَوِ الأَسبَق، لأَن مَن يَرفَعْ نَفسَهُ ويَسعَ لِيَفرِضَ ذاتَهُ ويُسَيطِر، يَفقِدْ مَكانَهُ، لا لأَنَّ رَبَّ البَيتِ يُريدُ إِذلالَهُ، بَل لأَنَّ مَن يَتَمَسَّكُ بِعَقليَّاتِ هذا العالَم لا يَجِدُ نَفسَهُ ولا مَكانَهُ عِندَ دُخولِهِ إلى وَلِيمَةِ المَلَكوت.
إِنَّ مَكانَك في مَلكوتِ اللَّه لا يُنالُ بِالتَّصَدِّي لِلآخرين، بَل هُوَ ثَمَرَةُ الحِكمَةِ المُتواضِعَةِ والوَداعَةِ الَّتي يُدركُ صاحِبُها أَنَّ عَظَمَةَ الحَياةِ لا تَأتِي مِنَ التَّكريماتِ الخارِجيَّة الَّتي يَنالُها، بَل مِنَ السَّعَةِ الدَّاخِلِيَّةِ الَّتي يَملِكُها لِيَستَقبِلَ الحَياةَ والنَّاس.
مَن يَتَبَنَّى هذا المَنْطِقَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَفْعَلَ أَمْرًا جَدِيدًا حَقًّا! أَنْ يُحِبَّ دُونَ مُقَابِلٍ، فَمِنَ السَّهْلِ أَنْ نَعْمَلَ الخَيْرَ إِذَا كُنَّا نَعْلَمُ أَنَّهُ سَيَرْتَدُّ إِلَيْنَا، وَغَالِبًا وَبِشَكْلٍ لَا شُعُورِيٍّ يَكُونُ هَذَا الحافِزُ هُوَ ما يُحَرِّكُ قُلُوبَنَا.
لكِنَّ يَسوعَ يُعَلِّمُنا أَنَّ الطُّوبى الحَقيقيَّةَ تَكْمُنُ في مَحبَّةٍ لا تَنْبُعُ مِن نَقْصان، بَلْ مِن فائِضِ العَطاءِ، أَنا لا أُحِبُّ لِأَنِّي أَتَرَقَّبُ مُقابِلًا، بَلْ لِأَنِّي نِلْتُ الكَثِيرَ مَجَّانًا، وَوَجَدْتُ لِي مَكانًا في المَلَكوتِ دُونَ اسْتِحْقاقٍ.
ولِكَي يُوضِّحَ ذلِكَ، يَستَعمِلُ يَسوعُ صُورَةً مُتَكَرِّرَةً في الكِتابِ المُقَدَّس، فَيَذكُرُ الفُقَراءَ والعُرجَ والعُميانَ، أَولئكَ الَّذينَ يَجِبُ دَعوَتُهُم («وَلَكِن إِذا أَقَمتَ مَأدُبَةً فَٱدعُ ٱلفُقَراءَ وَٱلكُسحانَ وَٱلعُرجانَ وَٱلعُميان» – لو 14: 13).
تَرِدُ هذه الفِئاتُ من الأشخاصِ في سِفرِ اللّاويّين، الإصحاح الحادي والعشرين، حيثُ تُعرَضُ التَّشريعاتُ الخاصّةُ بالكَهنَة، فقد كان المساكينُ والمُقعَدونَ والعُرجُ والعُميانُ غيرَ مَسموحٍ لهم بالاقترابِ منَ المَذبَحِ لِتقديمِ الذَّبائِح (لاويين 21: 17-21)، إذ كانوا مُستَبعَدين، كما يَرِدُ ذِكرُ العُميانِ والعُرجِ لاحقًا في الإصحاحِ الخامسِ من سِفرِ صَموئيلَ الثّاني، حيثُ قيل إنَّهم لا يَدخُلونَ البَيتَ، أَي مَدينَةَ داوُد (2 صموئيل 5: 6-8).
لكنَّ المُفارَقَةَ هِيَ أَنَّ هَؤلاءِ المُستَبعَدينَ بِالذّات، الَّذينَ لا يَملِكونَ شَيئًا يُعطونَه، يُصبِحونَ مَصدَرَ السعادة وبابَ الدُّخولِ إلى المَلَكوت.
أَمَّا عِندَما أَدْعُو الأَصْدِقاءَ وَالأَقارِبَ وَيَرُدُّونَ الجَميلَ، تَصيرُ الحِساباتُ مُتَساوِيَةً، وَتُسْتَحَقُّ كُلُّ الدُّيُونِ، وَهُنا لا يَسْتَطِيعُ الرَّبُّ أَنْ يَفْعَلَ شَيْئًا.
أَمَّا إِذا دَعَوتُ مَن لا يَملِكُ أَن يَرُدَّ لي، وَمَن لا يَدعُوهُ أَحَدٌ، تَبقَى حِساباتِي مَفتوحَةً، وَعِندَها وَحدَهُ الرَّبُّ يَتَكَفَّلُ بِتَسديدِها، لا بِمُعادَلَةٍ بَسيطَةٍ، بَل بِمَنحِ الحَياةِ الأَبَدِيَّةِ، مَلءَ الحَياةِ وَالنَّعِيمِ.
+بييرباتيستا