رسالة إلى الأمين العام للأمم المتحدة ورئاسة الجمعية العامة.. بقلم/ المحامي علي أبو حبلة –

رفض التأشيرات للوفد الفلسطيني… اختبار استراتيجي للنظام الدولي وتحدٍ لمصداقية الأمم المتحدة
يشكّل قرار الولايات المتحدة الأمريكية رفض منح تأشيرات لرئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس وأعضاء الوفد الفلسطيني للمشاركة في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة (أيلول/سبتمبر 2025)، انتهاكًا قانونيًا صارخًا لاتفاقية المقر لعام 1947 وميثاق الأمم المتحدة، لكنه يتجاوز البعد القانوني ليكشف أزمة استراتيجية أعمق تهدد مستقبل النظام الدولي المتعدد الأطراف برمته.
أولًا: البعد القانوني – خرق لاتفاقية المقر والميثاق الأممي
يلزم اتفاق المقر لعام 1947 الدولة المضيفة (الولايات المتحدة) بتأمين دخول ومشاركة جميع الوفود الرسمية دون قيود(1)، وهو التزام تعززه المادة 105 من ميثاق الأمم المتحدة التي تضمن لممثلي الدول “الامتيازات والحصانات اللازمة”(2). كما أكدت محكمة العدل الدولية في رأيها الاستشاري لعام 1988 أن التزامات الدولة المضيفة ليست خيارًا سياسيًا، بل التزامًا قانونيًا ملزمًا(3).
غير أن أهمية القرار الأمريكي لا تكمن فقط في خرق القانون، بل في دلالته السياسية: إذ يحوّل مقر الأمم المتحدة إلى رهينة بيد سياسات الدولة المضيفة، ويقوّض حيادية المنظمة التي يفترض أن تمثل “إرادة المجتمع الدولي بأسره” لا إرادة دولة بعينها.
ثانيًا: البعد السياسي – تقويض التعددية الدولية
رفض التأشيرات يرسل إشارة واضحة بأن الولايات المتحدة لا تنظر إلى الأمم المتحدة كمنبر دولي محايد، بل كأداة خاضعة لنفوذها. وهذا يهدد:
مصداقية النظام المتعدد الأطراف، الذي يقوم على مبدأ المساواة في السيادة وحرية التمثيل.
شرعية قرارات الأمم المتحدة، إذا باتت رهينة بيد دولة مضيفة تستخدم الامتياز الجغرافي كأداة ابتزاز سياسي.
الثقة الأوروبية، إذ تجد عواصم أوروبية رئيسية – كباريس – أن التسييس الأمريكي لمقر الأمم المتحدة يتعارض مع سعيها لحماية استقلالية المنظمة وتوظيفها كإطار لدفع عملية السلام في الشرق الأوسط.
ثالثًا: الموقف الأوروبي – بداية شرخ مع واشنطن
إدانة وزير الخارجية الفرنسي جان-نويل بارو للقرار الأمريكي في كوبنهاغن، وتأكيده أن “مقر الأمم المتحدة مكان حيادي في خدمة السلام ولا يمكن أن يكون الحضور خاضعًا لأي قيود”(4)، يعكس تحولًا في الموقف الأوروبي.
فالقرار الأمريكي جاء في لحظة حرجة حيث تسعى فرنسا – وبدعم أوروبي متزايد – لطرح خطوات عملية نحو الاعتراف بدولة فلسطين خلال الدورة المقبلة للجمعية العامة. وبذلك يصبح الرفض الأمريكي تحديًا مباشرًا للمشروع الأوروبي، ما يعمّق التباين بين ضفتي الأطلسي حول الملف الفلسطيني ويهدد وحدة الموقف الغربي.
رابعًا: انعكاسات استراتيجية على القضية الفلسطينية
1. محاولة عزل فلسطين: القرار الأمريكي يهدف إلى تهميش الحضور الفلسطيني على الساحة الأممية، خصوصًا مع تنامي موجة الاعترافات الأوروبية بفلسطين.
2. تعزيز الدعم الدولي لفلسطين: المفارقة أن الإجراء الأمريكي قد يدفع نحو تضامن أوسع داخل الجمعية العامة مع المطالب الفلسطينية، باعتبارها قضية عدالة وحقوق شعبية تواجه قمعًا سياسيًا.
3. تسريع فكرة نقل المقر: تتجدد الدعوات لنقل الاجتماعات الأممية إلى جنيف أو فيينا، وهو ما يشكل ضغطًا استراتيجيًا على واشنطن ويفتح الباب أمام إعادة موازنة النفوذ الدولي.
خامسًا: انعكاسات على النظام الدولي
القرار الأمريكي ليس مجرد خلاف إجرائي، بل اختبار حقيقي لمستقبل النظام المتعدد الأطراف:
إذا استسلمت الأمم المتحدة لابتزاز الدولة المضيفة، فإن ذلك سيعزز نزعة أحادية أمريكية تهدد استقرار النظام الدولي.
إذا اتخذ المجتمع الدولي موقفًا حازمًا (بنقل الاجتماعات أو التلويح بالعقوبات الدبلوماسية ضد واشنطن)، فإن ذلك قد يمثل بداية توازن جديد في العلاقات الدولية، حيث تلعب أوروبا وأطراف أخرى – كالمجموعة العربية والإفريقية – دورًا متقدمًا في حماية استقلالية المنظمة.
وعليه نتوجه إلى الأمين العام ورئاسة الجمعية العامة
و نطالب الأمين العام للأمم المتحدة ورئاسة الجمعية العامة بـ:
1. إدانة رسمية للقرار الأمريكي باعتباره خرقًا للقانون الدولي وتقويضًا لمبدأ الحياد الأممي.
2. ضمان حق الوفد الفلسطيني في المشاركة الكاملة، باعتبار ذلك التزامًا قانونيًا وحقًا سياديًا لا يخضع للمساومة.
3. فتح نقاش جدي حول نقل اجتماعات الجمعية العامة إلى جنيف، بما يضع حدًا لاستغلال الدولة المضيفة لموقعها الجغرافي كورقة ضغط سياسية.
إن الموقف الأمريكي الراهن لا يهدد فقط القضية الفلسطينية، بل يعصف بأسس الشرعية الدولية ويضع الأمم المتحدة أمام مفترق طرق: إما أن تبقى رهينة لإرادة الدولة المضيفة، أو أن تستعيد استقلاليتها كمنبر أممي جامع، يعكس إرادة الشعوب لا نفوذ الأقوياء.
الهوامش:
1. UN Headquarters Agreement, 1947, Section 11.
2. United Nations Charter, Art. 105.
3. ICJ, Advisory Opinion on the Applicability of the Obligation to Arbitrate under Section 21 of the UN Headquarters Agreement, 1988.
4. تصريح وزير الخارجية الفرنسي جان-نويل بارو، كوبنهاغن، 30 آب/أغسطس 2025.