لماذا يُرعِب اليمينَ الصهيوني قيامُ الدولة الفلسطينية… وهل يستطيع مواجهة التحولات الدولية؟.. بقلم: د. عبد الرحيم جاموس

تشهد الساحة الإسرائيلية ارتباكًا عميقًا بعد إدراج بند «تمهيد الطريق لإقامة دولة فلسطينية» في مشروع القرار الأميركي المطروح أمام مجلس الأمن.
لم يكن الأمر مجرد خطوة إجرائية، بل تحوّلًا في جوهر المقاربة الدولية للصراع الفلسطيني–الإسرائيلي.
وقد فجّر هذا التحوّل موجة واسعة من الغضب داخل اليمين الصهيوني المتطرف، الذي اعتبره تهديدًا عقائديًا وسياسيًا وأمنيًا لمشروعه الاستيطاني الممتد منذ أكثر من قرن.
في هذا المقال نقدم قراءة تحليلية معمّقة ومركّزة ، توضّح أسباب الهلع اليميني، وتحلل اتجاهات الموقف الدولي، وتستشرف احتمالات مستقبل المشروع الوطني الفلسطيني.

أولًا: جذور الخوف اليميني من الدولة الفلسطينية

1. انهيار الأسطورة التأسيسية: «أرض إسرائيل» و«القدس الموحدة» …
يقوم اليمين الصهيوني الديني والقومي على أسطورة «أرض إسرائيل التاريخية» التي تشمل الضفة الغربية باعتبارها «يهودا والسامرة»، وعلى مقولة أن القدس «عاصمة أبدية وموحدة لإسرائيل».
وعليه، فإن أي اعتراف دولي بدولة فلسطينية مستقلة على حدود الرابع من حزيران، وعاصمتها القدس الشرقية، يعني نسفًا لأهم ركائز الهوية السياسية الصهيونية.
فالدولة الفلسطينية ليست مجرد كيان سياسي، بل إعلان عالمي بانتهاء صلاحية الرواية التوراتية كمرجعية لحدود الدولة، وهو ما يرعب التيار الديني القومي الذي يسيطر اليوم على مفاصل القرار.

2. تآكل الوظيفة الاستعمارية لإسرائيل …

منذ وعد بلفور واتفاق سايكس–بيكو، كانت إسرائيل قاعدة متقدمة للمشروع الغربي في الشرق العربي. لكن قيام دولة فلسطينية ذات سيادة يعني:

تراجع دور إسرائيل كأداة لمعادلات النفوذ التقليدية.

تغليب منطق الاستقرار السياسي على حساب منطق القوة والاحتلال.

صعود لاعب عربي جديد يمتلك شرعية دولية وقدرة تمثيلية.

إن فقدان الوظيفة الاستعمارية التاريخية يجعل إسرائيل دولة عادية لا تتمتع بامتياز التفوق الأخلاقي أو الأيديولوجي، وهذا بحد ذاته هاجس يقضّ مضجع اليمين الصهيوني .

3. الخوف من فتح الملفات النهائية للصراع …

قيام الدولة الفلسطينية يعني الدخول الفوري في حلّ قضايا:
الحدود؛
القدس؛
المياه؛
اللاجئين؛
المستوطنات؛
الترتيبات الأمنية.
وكلها ملفات يسعى اليمين منذ ثلاثة عقود إلى تجميدها تحت شعار «لا شريك فلسطيني».
فالدولة الفلسطينية تُعيد فتح الملفات التي يفرّ منها اليمين لأنها تكشف حقيقة الاحتلال وتفرض تسويات مؤلمة عليه.

4. التهديد الديموغرافي والسياسي …
يدرك اليمين المتطرف أن أي تسوية تُنهي الاحتلال ستضع حدًا لسياسة الضم الزاحف، وتمنع تهويد الأرض، وتوقف تغوّل الاستيطان.
والأخطر هو أن الاعتراف بالدولة الفلسطينية يمنح الفلسطينيين إطارًا قانونيًا لحماية السكان من الترحيل أو التضييق، ويقوّض مشاريع «الحسم» و«الترانسفير» التي يتبناها رموز اليمين الصهيوني.

5. سقوط معادلة «إدارة الصراع» …
تبنّت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة استراتيجية «إدارة الصراع» بدل حلّه، بهدف إدامة الاحتلال بأقل تكلفة.
أما اليوم، فإن التحول الأميركي والدولي نحو ضرورة إقامة الدولة الفلسطينية يعني نهاية هذه المعادلة، وبداية الانتقال إلى منطق الحل السياسي الملزم الذي يخشاه اليمين أكثر من أي شيء آخر.

ثانيًا: التحولات الدولية التي تضيق الخناق على اليمين الصهيوني …

1. التحول الأميركي الاستراتيجي …
يمثل إدراج بند «تمهيد الطريق لإقامة الدولة الفلسطينية» في مشروع القرار الأميركي نقطة انعطاف تاريخية.
فالولايات المتحدة، التي كانت تعطل أي تحرك دولي في هذا الاتجاه، أصبحت اليوم ترى أن:
استمرار الاحتلال يقوض نفوذها في المنطقة؛
الحرب في غزة تهدد مصالحها الطاقوية والجيوسياسية؛
الاستقرار لا يتحقق دون حل جذري للقضية الفلسطينية.

وهو تحول يعكس تغييرًا في تقديرات الأمن القومي الأميركي ذاته.
وبالتالي، فإن قدرة اليمين الإسرائيلي على تحدي الإرادة الأميركية أصبحت أضعف من أي وقت مضى.

2. التبلور في الموقف الأوروبي المتصاعد لصالح الدولة الفلسطينية …
يشهد الموقف الأوروبي تحولًا ملحوظًا نحو:
الاعتراف الجماعي بدولة فلسطين؛
دعم إصلاح السلطة الفلسطينية وتوسيع شرعيتها؛
فرض قيود على الاستيطان؛
الدفع باتجاه ترتيبات أمنية دولية في غزة والضفة.

إن تماسك الموقف الأوروبي يجعل اليمين الإسرائيلي محاصرًا خارجيًا، وفاقدًا لأوراق الضغط التي طالما اعتمد عليها.
3. متغيرات الإقليم: صعود أولوية الاستقرار …

الإقليم اليوم يتجه نحو:
تعزيز محور الاستقرار (السعودية، مصر، الأردن).
رفض واضح للمشاريع الأيديولوجية العنيفة.
مقاربة جديدة تعتبر حل القضية الفلسطينية شرطًا للأمن الإقليمي.

وهذا السياق يضعف قدرة اليمين الإسرائيلي على المراوغة، لأن استمرار الاحتلال أصبح عقبة أمام جميع ترتيبات الأمن والاقتصاد الإقليمي.

4. الإرهاق الداخلي الإسرائيلي …

تواجه حكومة اليمين:

انقسامًا اجتماعيًا واسعًا؛

فقدان الثقة بالمؤسسة الحاكمة؛

ضغوطًا من الجيش والأجهزة الأمنية؛

أزمة اقتصادية خانقة؛

عزلة سياسية متنامية.

لقد أصبح اليمين المتطرف نفسه عبئًا على الإدارة الأميركية وعلى المؤسسة الإسرائيلية، خصوصًا بعد عسكرة القرار السياسي وتغليب الاعتبارات العقائدية على المصالح الاستراتيجية.

5. تأثيرات «طوفان الأقصى» على النظام الدولي …

أدت عملية «طوفان الأقصى» وما تبعها من حرب مدمرة على غزة إلى:
إعادة مركزية القضية الفلسطينية في السياسة الدولية؛
إدراك عالمي بأن الاحتلال هو أصل العنف وعدم الاستقرار؛
تعاظم الضغوط على إسرائيل واحتمال محاسبتها دوليًا.

وبذلك، لم يعد ممكناً العودة إلى «الوضع القائم» الذي استفاد منه اليمين لعقود.

ثالثًا: بين التاريخ والمستقبل…
لماذا لا يستطيع اليمين وقف حركة التحول؟

1. تراكم الكيانية الفلسطينية وتطور المشروع الوطني …
بالرغم من محاولات تغييب الهوية الفلسطينية منذ غرس المشروع الصهيوني فوق أرض فلسطين قبل أكثر من قرن، فإن الشعب الفلسطيني استطاع:

الحفاظ على هويته الوطنية؛

بلورة كيانيته السياسية بدءًا من الثورة الفلسطينية في وجه الانتداب البريطاني والهجرة الصهيونية ودور الحاج أمين الحسيني؛

ثم تأسيس منظمة التحرير بقيادة احمد الشقيري ثم بقيادة ياسر عرفات وحركة فتح ؛

وصولًا إلى قيام السلطة الفلسطينية وترسيخ الاعتراف الدولي بها، رغم كلّ ما واجهته من ضغوط الاحتلال ، وحركة حماس وجماعة الإخوان المسلمين .

هذا التراكم يجعل من الدولة الفلسطينية خيارًا واقعيًا لا مجرد شعار.

2. حدود القدرة الإسرائيلية على العرقلة …

يمكن لليمين الإسرائيلي أن:

يعرقل؛ يماطل؛ يناور؛ وان يتحدى الإرادة الدولية مؤقتًا.

لكنه لا يستطيع تغيير الاتجاه العام للمجتمع الدولي، ولا يستطيع فرض بقاء الاحتلال إلى الأبد.

3. احتمالات المشهد المقبل …
المشهد المستقبلي يتراوح بين ثلاثة احتمالات رئيسية:
أ. التعطيل المؤقت:
قد ينجح اليمين في تأخير بعض الخطوات، لكنه لن يخنق مسار الدولة مع تزايد الزخم الدولي.

ب. سقوط الائتلاف الحاكم:
أي ضغط أميركي جدي كفيل بتفجير الحكومة اليمينية المتطرفة.

ج. القبول تحت الضغط:
قد تجد إسرائيل نفسها مضطرة للقبول بالدولة الفلسطينية ضمن ترتيبات أمنية دولية صارمة.

هذه الاحتمالات جميعها تشير إلى أن اليمين لا يملك القدرة على إنتاج «استراتيجية بديلة»، بل يكتفي بالدفاع عن وضع آيل للسقوط.

الخلاصة

إن خوف اليمين الصهيوني المتطرف من الدولة الفلسطينية ليس خوفًا سياسيًا عابرًا، بل ذعر وجودي يهدد أيديولوجيته، واستيطانه، ووظيفته التاريخية، ونموذجه الأمني والعقائدي.
وفي مقابل ذلك، تتجه الإرادة الدولية — من واشنطن إلى أوروبا والإقليم — نحو اعتبار إقامة الدولة الفلسطينية مصلحة استراتيجية لا يمكن تجاوزها.
لقد تغيّر العالم.
وتغيّرت الحسابات.
وبقي اليمين الإسرائيلي وحده أسيرًا لوهم التفوق الأبدي.

أما الحقيقة فهي أن مسار الدولة الفلسطينية بات جزءًا من حركة التاريخ، لا يمكن أن يعطله اليمين الصهيوني ، ولا جماعة الإخوان المسلمين ومؤتمراتهم ، ولا تمحوه القوة.
وإنّ الشعب الفلسطيني، الذي صمد أكثر من قرن في مواجهة الاحتلال والحروب والتهجير والانقسام المدمر ، قادر بتماسكه السياسي وهويته الوطنية ، على استثمار اللحظة الدولية لانتزاع حقه في إقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية.
وبهذا يصبح السؤال:
ليس هل ستقوم الدولة الفلسطينية؟
بل متى وكيف؟
وهل تملك إسرائيل شجاعة الاعتراف، أم ستجد نفسها مضطرة إليه تحت وطأة الحقائق الدولية الجديدة؟

بقلم: د. عبد الرحيم جاموس
الرياض/الإثنين
17/11/2025

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com