قراءة تحليلية مبنية على الأفكار التي طرحها د. عبد الرحيم جاموس،”كش ملك” جيوسياسي: القرار 2803 وهندسة “غزة الأمريكية” الجديدة

بقلم: د.عادل جوده/ العراق/ كركوك

لم يكن تمرير مجلس الأمن للقرار رقم 2803 مجرد إجراء بيروقراطي يُضاف إلى أرشيف القرارات الدولية المتكدسة، بل هو، كما يراه المراقبون الدقيقون للمشهد، إعلان رسمي عن تدشين حقبة جديدة في التعاطي الدولي مع القضية الفلسطينية، وتحديداً مع “عقدة غزة”. إننا أمام لحظة مفصلية تتجاوز فيها الولايات المتحدة دور “الوسيط المنحاز” لتصبح “المدير الفعلي” للمشهد، مستندةً إلى “خطة النقاط العشرين” للرئيس دونالد ترامب، والتي تُرجمت أممياً إلى تفويض شبه مطلق.
يستعير السفير الفرنسي السابق جيرار أرو مصطلح لعبة الشطرنج “كش ملك” لوصف هذا المشهد، وهو وصف يحمل في طياته دلالات بالغة الخطورة. فـ “كش ملك” هنا لا تعني مجرد الفوز بجولة، بل تعني محاصرة الخيارات وإجبار الرقعة السياسية بأكملها على الانصياع لحركة واحدة قادمة من واشنطن. القرار 2803 يُضفي شرعية دولية (وإن كانت بغطاء أمريكي كثيف) على آليات جديدة كلياً: “مجلس السلام” و”قوة الاستقرار الدولية”. ولأول مرة، نرى مجلساً للأمن يمنح دولة عظمى تفويضاً مؤسسياً لإدارة شؤون منطقة نزاع، متجاوزاً بذلك أدوار “الأونروا” أو قوات حفظ السلام التقليدية ذات القبعات الزرقاء، لصالح هيكلية أمنية-إدارية تقودها واشنطن مباشرة.
مكمن الخطورة الاستراتيجية في هذا القرار، كما تفضل د. جاموس بالإشارة إليه، هو عملية “الكيّ” للذاكرة القانونية للقضية الفلسطينية. فهذا الهيكل الجديد لا يستند بوضوح إلى المرجعيات الراسخة (القرارات 242 و338) التي تتحدث عن الأرض مقابل السلام، بل يقفز نحو “الإدارة مقابل الاستقرار”. إنه يُعيد تعريف الصراع من قضية تحرر وطني وشعب تحت الاحتلال، إلى قضية “أزمة إدارية وأمنية” تتطلب وصاية دولية ومجلس انتقالي. هذا التحول يهدد بفصل غزة سياسياً عن الضفة الغربية، وتكريس الانقسام الجغرافي والسياسي تحت مسمى “إعادة الإعمار” أو “منع الفراغ السلطوي”.
ومع ذلك، فإن وصف “كش ملك” قد يحمل من المبالغة بقدر ما يحمل من الدقة. ففي عالم السياسة، وخاصة في رمال الشرق الأوسط المتحركة، لا تنتهي اللعبة بمجرد إصدار قرار في نيويورك. إن امتناع الدب الروسي والتنين الصيني عن التصويت ليس حياداً، بل هو “صمت استراتيجي” يقرأ المشهد جيداً: دعوا واشنطن تغرق في وحل غزة. فالقرار 2803، رغم قوته الورقية، سيصطدم حتماً بجدار الواقع الميداني الصلب.
غزة ليست مجرد رقعة جغرافية منكوبة، بل هي خزان بشري وسياسي معقد. هناك سلطة تبحث عن كينونتها، وفصائل مقاومة ترى في أي إدارة دولية وجهاً آخر للاحتلال، وبيئة اجتماعية أنهكتها الحرب لكنها ترفض الوصاية. إن محاولة فرض “هندسة اجتماعية وسياسية” من الخارج، دون توافق وطني فلسطيني، ودون أفق سياسي يضمن السيادة والاستقلال، هي وصفة مثالية لاستدامة الصراع لا لإنهائه.
إن السؤال الوجودي الذي يطرحه هذا القرار على الطاولة العربية والفلسطينية هو: هل نحن أمام بداية حل حقيقي، أم أمام إعادة تدوير للاحتلال بوجه دولي “أنيق”؟
إن النجاح الأمريكي في استصدار القرار هو انتصار دبلوماسي بلا شك، ولكنه قد يتحول إلى فخ استراتيجي إذا ما ظنت واشنطن أن بإمكانها إدارة غزة بمعزل عن طموحات أهلها.
ختاماً، قد يكون ترامب قد صرخ “كش ملك” في قاعة مجلس الأمن، لكن التاريخ يعلمنا أن شعوب هذه المنطقة تتقن فن “قلب الطاولة” عندما تشعر أن مصيرها يُباع ويُشترى في مزادات التسويات الدولية..

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com