مستقبل الوعي السياسي الفلسطيني بعد غزة.. انهيار السرديات وبداية اليقظة الوطنية.. بقلم د. عبد الرحيم جاموس

لا شكّ أنّ الحرب على غزة شكّلت الحدث الأكثر تأثيرًا على بنية الوعي السياسي الفلسطيني منذ عقود.
فقد كشفت المأساة، بما حملته من إبادة وتهجير وتجويع ودمار كامل للبنى الإنسانية، حدود الخطاب الفصائلي الذي اعتاش طويلاً على الشعارات، وفضحت هشاشة الرواية التي حاولت تحويل الهزيمة إلى “نصر” وإلباس الخراب ثوب “الفتح”.
واليوم، وبعد انكشاف الحقائق بعيدًا عن الضجيج، يبدأ الفلسطينيون بمراجعة معمّقة لكل ما رسخته الدعاية من أوهام.
السؤال الملحّ الذي يفرض نفسه هو: إلى أين يتجه الوعي السياسي الفلسطيني بعد غزة؟

أولًا: سقوط “وهم الانتصار” وانبعاث الأسئلة الصعبة

منذ الساعات الأولى بعد 7 أكتوبر، رُسمت مشاهد عاطفية كبرى: “تحرير”، “تغيير قواعد اللعبة”، “هزيمة إسرائيلية استراتيجية”.
واستغلت حماس – إعلاميًا وسياسيًا – هذه اللحظة العاطفية لتسوّق فعلها باعتباره “قرار الأمة” ، غير أن الأحداث المتلاحقة كشفت حجم المسافة بين الخطاب والواقع:
– دمار شامل في المناطق السكنية،
– نزوح وتهجير لمئات الآلاف،
– انهيار المؤسسات الصحية والخدمية،
– مجاعة متعمدة،
– واستمرار الاحتلال دون أن تتغير موازين القوى الفعلية.
في مواجهة هذا المشهد الكارثي، بدأ الجمهور يطرح الأسئلة التي حاولت الدعاية إخمادها:
هل هذا انتصار؟ ومن الذي انتصر؟ الشعب أم الحركة؟
لقد فشلت السردية الفصائلية لأنها لم تستطع تفسير المأساة، ولم تقدّم دليلًا واحدًا على تحقق أي مكسب وطني أو سياسي.

ثانيًا: الأزمة الكبرى… ميلاد وعي جديد

هذه الكارثة – بكل مآسيها – لم تُنتج يأسًا فقط، بل ساهمت في ولادة وعي سياسي مختلف. فالفلسطينيون اليوم أكثر قدرة على التمييز بين:
– المقاومة التي تُدافع عن الشعب، والمقاومة التي تُقام على حساب الشعب؛
– القرار الوطني الذي يُصنع بالشراكة والإجماع، والقرار الأحادي الذي يغامر بالمصير العام؛
– المشروع الوطني الذي يسعى للتحرير والدولة، والمشروع الحزبي الذي يسعى للتمكين والسيطرة.

لقد خرج الوعي الفلسطيني من مرحلة الانفعال إلى مرحلة السؤال، ومن مرحلة الشعارات إلى مرحلة التدقيق، ومن مرحلة التصفيق للخطاب الجاهز إلى مرحلة البحث عن مشروع وطني عقلاني قادر على حماية الشعب لا زجّه في أتون صراع غير محسوب.

ثالثًا: الكتلة المتصلّبة… آخر معاقل السردية الزائفة

رغم التحوّل الواسع في المزاج العام، لا تزال كتلة صغيرة – لكنها صلبة – تعيش داخل فقاعة الخطاب التعبوي الأيديولوجي ، هذه الكتلة ترفض الاعتراف بالحقائق وتواصل الدفاع عن مشروع كرّس الانقسام وأنتج الدمار.
غير أنها كتلة تتآكل مع اتساع مساحة الوعي الجديد، ومع تزايد القناعة بأن المشروع الفصائلي لا يمكنه أن يكون بديلًا عن المشروع الوطني.

رابعًا: ملامح الوعي الوطني الجديد

استنادًا إلى التحولات المتسارعة، يبرز اتجاه واضح نحو إعادة صياغة الوعي السياسي الفلسطيني وفق مرتكزات جديدة، أبرزها:
1. الشراكة الوطنية بدل الهيمنة الفصائلية.
المرحلة المقبلة تفرض صياغة مشروع وطني جامع يعيد الاعتبار للعمل السياسي المنظم، ويُنهي الانقسام الذي شكّل الثغرة الأكبر في الجدار الفلسطيني.

2. مقاومة وطنية منظّمة تخضع لقرار وطني جامع.
المقاومة حق أصيل، لكنّ ممارستها تحتاج إلى استراتيجية تُدار من مؤسسات تمثل الشعب، لا من حسابات حزبية ضيقة.

3. إعادة الاعتبار لمنظمة التحرير كمرجعية جامعة.
فلا بديل عن بيت وطني واحد يعبّر عن الإرادة الفلسطينية ويضمن وحدة التمثيل في مواجهة محاولات التفكيك.

4. الفصل بين القضية الوطنية والمشاريع الأيديولوجية.
فلسطين أكبر من أن تكون ذراعًا لحزب، أو ورقة في يد أي محور، أو مختبرًا لتجارب عسكرية وسياسية لا يدفع ثمنها إلا المدنيون.

خامسًا: نحو عقل وطني قادر على إدارة المستقبل

الوعي الفلسطيني يدخل اليوم مرحلة ما بعد الخديعة، وهو وعيٌ يُدرك أن سرديات القوة والقداسة والانتصار لم تكن سوى واجهة لتكريس سلطة الأمر الواقع.
والمهمة المقبلة هي تحويل هذا الوعي الجديد إلى مشروع عمل:
– مشروع يتجنب أخطاء الماضي،
– يعيد بناء المؤسسات،
– ينهض بوحدة الشعب،
– ويؤسس لاستراتيجية نضال واقعية وعادلة.

الأمل اليوم أن يتحول هذا الإدراك إلى إرادة سياسية جامعة تُعيد وصل ما انقطع بين الشعب وقضيته ومؤسساته الشرعية.

ختاماً نقول :

إن مستقبل الوعي السياسي الفلسطيني بعد غزة يتّجه نحو مرحلة أكثر نضجًا، مرحلة تُعيد الاعتبار للشعب، لا للفصيل؛ وللقضية، لا للشعار؛ وللمشروع الوطني، لا للمشروع الحزبي.
وإذا ما استُثمرت هذه اليقظة في إعادة بناء المشروع الوطني على أسس الوحدة والشراكة والمؤسسات الشرعية، فسيكون الشعب الفلسطيني قادرًا على حماية قضيته واستعادة حقه في دولته المستقلة وعاصمتها القدس، وعودة لاجئيه، وتعويضاته، وحقه الأبدي في الحياة والكرامة على أرضه.

د. عبدالرحيم جاموس
الرياض 28/11/2025

*قراءة تحليلية واقعية في نص

✒️د.عادل جوده- العراق/ كركوك

💢«مستقبل الوعي السياسي الفلسطيني بعد غزة: انهيار السرديات وبداية اليقظة الوطنية»
بقلم د. عبد الرحيم جاموس

🕊️يقدّم الدكتور عبد الرحيم جاموس في هذا النص رؤية فكرية وسياسية مكثّفة، ترصد تحوّل الوعي الجمعي الفلسطيني بعد حرب غزة، وتعيد قراءة المشهد بعيدًا عن الشعارات ومعارك الخطاب، مقتربًا من جوهر الأسئلة الكبرى التي باتت تفرض نفسها على المجتمع الفلسطيني اليوم.
هذه القراءة التحليلية تحاول تفكيك الخطاب، وإبراز مرتكزاته، واستجلاء أبعاده الدلالية والمعرفية، مع تسليط الضوء على ما ينهض به من إشكالات وتحولات عميقة.

أولًا: تفكيك بنية السردية – من وهم الانتصار إلى محاسبة الواقع

غايرًا لخطابات التمجيد والانفعال التي ملأت الساحة بعد 7 أكتوبر، يعمد الكاتب إلى مساءلة الرواية السائدة، وطرح السؤال المؤجّل: ماذا تحقق فعليًا؟
إنه لا يهاجم الفصائل من باب الخصومة، بل من باب المسؤولية التاريخية التي تحتم مراجعة كل لحظة مفصلية بحجم ما جرى في غزة.

يشير النص إلى انهيار سردية “الانتصار” التي روّجت لها بعض القوى، ويضعها في مواجهة جردة حساب قاسية:

تدمير غير مسبوق للبنية السكنية والمدنية،

تهجير واسع للسكان،

انهيار المؤسسات،

مجاعة مقصودة،

وغياب أي مكسب سياسي أو تحوّل استراتيجي في موازين القوة.

هذه القراءة الواقعية تُعيد تعريف الانتصار، ليس بوصفه حدثًا لغويًا أو خطابًا تعبويًا، بل بوصفه معيارًا سياسيًا وأخلاقيًا يقاس بمردوده على الشعب.
ومن هنا تأتي أهمية النص: إنه لا يحاكم الحدث بحدّ ذاته، بل يحاكم السردية المرافقة له، السردية التي حاولت تحويل الكارثة إلى بطولة، والمأساة إلى “فتح مبين”.

ثانيًا: الوعي الجديد… من الانفعال إلى النقد

يبرز في النص تحليل دقيق لمظاهر التحوّل داخل الوعي الفلسطيني. فالكاتب يرى أن الكارثة لم تنتج إحباطًا مطلقًا، بل أطلقت شرارة يقظة سياسية.
هذه اليقظة ليست انفجارًا عاطفيًا، بل مراجعة منهجية لمفاهيم أساسية:

ماهية المقاومة،

مشروعية القرار الأحادي،

الفرق بين مشروع وطني جامع ومشروع حزبي ضيق،

معنى التضحية وحدودها،

ومسؤولية القيادة أمام الشعب.

إنه وعي يميل إلى الأسئلة بدل الشعارات، وعي يرفض الخطاب الجاهز، ويبحث عن سردية جديدة تنتمي إلى الواقع لا إلى الرغبة.
وهذا التحوّل، في جوهره، ليس حدثًا عابرًا بل تحولًا بنيويًا في علاقة المجتمع الفلسطيني بذاته وبقضيته.

ثالثًا: نقد “الكتلة المتصلّبة” – استمرار إرث الأيديولوجيا

يخصص الكاتب حيزًا لقراءة ما يسمّيه “الكتلة المتصلّبة”، وهي فئة ترفض الاعتراف بالتحولات الواقعية، متمسكة بخطاب تعبوي لا يفسّر الواقع ولا يخاطبه.
يقدّم النص هذه الفئة بوصفها بقايا السردية التقليدية التي اعتاشت على ثنائية “المقدّس/الخيانة”، “النصر/الهزيمة”، دون قدرة على إعادة تعريف المفاهيم في ضوء المأساة الحقيقية.

ورغم صلابتها، يرى الكاتب أنها تتآكل تدريجيًا أمام اتساع رقعة الوعي الجديد، الذي بات يدرك أن المشروع الوطني لا يمكن أن يظل رهينة لخطاب أيديولوجي يقدّس التنظيم فوق الوطن.

رابعًا: ملامح الوعي الوطني الجديد – نحو دولة العقل والمؤسسات

من أبرز نقاط القوة في النص تحديده لركائز الوعي السياسي الجديد.
هذه الركائز ليست ردود فعل، بل مسارًا متدرجًا يعيد بناء المشروع الوطني على أساس:

١- الشراكة الوطنية بدل الهيمنة الفصائلية.

٢- مقاومة منظمة تخضع لقرار وطني جامع واسع الشرعية.

٣- إحياء منظمة التحرير كبيت تمثيلي واحد.

٤- تحييد الأيديولوجيا عن القضية، وفصل فلسطين عن مشاريع المحاور.

هذا الطرح يعيد الاعتبار للسياسة بوصفها فن إدارة المصير العام لا بوصفها مغامرة عسكرية أو تفويضًا أعمى لفصيل واحد.

خامسًا: نحو عقل وطني جديد قادر على صياغة المستقبل

يختم النص بما يشبه خريطة طريق للمرحلة المقبلة.
فالوعي الفلسطيني، كما يرى الكاتب، يدخل مرحلة ما بعد الخديعة، مرحلة تعيد وصل الشعب بمؤسساته وحقوقه ومشروعه التحرري.
إنه يدعو إلى سياسة تقوم على:

بناء المؤسسات،

وحدة الشعب،

تجديد الشرعيات،

وإنتاج استراتيجية نضال واقعية تتسق مع القانون الدولي ومع شرط صمود الناس.هذه الرؤية لا تلغي حق الفلسطيني في المقاومة، بل تعيدها إلى مكانها الطبيعي:
وسيلة وطنية… لا سلطة حزبية.

✨خلاصة القراءة

إن نص الدكتور عبد الرحيم جاموس يمثل واحدًا من أهم الأصوات التي تحاول تفكيك جدار الخطاب الانفعالي، وإعادة توجيه البوصلة نحو مشروع وطني جامع.
وتميزه أنه لا يكتفي بوصف ما جرى، بل يتقدم خطوة إلى الأمام ليقرأ ما بعد غزة:
مرحلة إعادة تكوين…

 

 

 

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com