نبض الحياة.. دحض موقف خاطئ.. عمر حلمي الغول

استمعت لمداخلة لاحد القيادات العربية من دول الطوق بعد زيارة له مؤخرا لواشنطن، وفي اعقاب لقاء الرئيس دونالد ترمب مع زهران ممداني الذي تم في 22 تشرين ثاني / نوفمبر الحالي، أي قبل أسبوع من اليوم الاحد 30 نوفمبر من الشهر، في لقاء مع مجموعة من 7 شخصيات في مكتب صغير، وحملت المداخلة العديد من المواقف بعضها أصاب، وبعضها الاخر جانب الصواب، أو فيه قراءة ميكانيكية للواقع، دون النظر للمستقبل المنظور بديناميكية التحولات الجيوسياسية في المشهد الفلسطيني الإسرائيلي خصوصا والاقليم والعالم عموما. ولن اناقش المواقف المختلفة للرجل.
مما ورد في حديث المسؤول العربي السابق، أنه استنتج من خلال لقاءاته مع العديد من المسؤولين الاميركيين في واشنطن، أن ضم الضفة الغربية من قبل الحكومة الإسرائيلية قادم لا محالة عشية نهاية ولاية الرئيس الأميركي وادارته الحالية، واستند الى تصريح لوزير الاستيطان الاستعماري بتسليئل سموترش عن ضم 82% من أراضي الضفة الفلسطينية التي تشمل ضم المنطقتين C و B دون ضم المنطقة A التي فيها التجمعات السكانية الفلسطينية، وتصريح للوزيرة ميري ريغيف، التي قالت، أن الضم الان مؤجل. ومن حيث المبدأ الاستنتاج صحيح، وأن حكومة الائتلاف الإسرائيلي بقيادة بنيامين نتنياهو ماضية في مخطط الضم والقضم التدريجي في ارجاء الضفة كافة بما فيها القدس العاصمة، ولكن كما يعلم المسؤول السابق أن الدولة القائمة بالاستعمار لا يوقفها قرار دولي، ولا قرار عربي حتى الان، بيد أن مسار الصراع الفلسطيني الإسرائيلي ليس ثابتا ولا ساكنا عند الواقع القائم حاليا، بل هو في حالة حراك وديمومة، لا سيما وأن التغول الوحشي الإسرائيلي في انتهاكاته وجرائم حربه وابادته المتواصلة على الشعب العربي الفلسطيني في مجالات الحياة كافة لن تبقي الوضع كما هو، لا سيما وان هناك مخاض يعيشه الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية قد ينفجر في كل لحظة.
وفي حال حدث التحول في الضفة الغربية ستكون ارتداداته مغايرة لما شهده قطاع غزة خلال العامين الماضيين من الإبادة الجماعية الوحشية نتاج التداخل الاستيطاني الاستعماري مع وجود الشعب الفلسطيني في ارجاء الضفة، لهذا يستبق العدو الإسرائيلي التطورات الافتراضية المحتملة بمزيد من الاقتحامات وعمليات القتل والاعدام والاعتقال والتدمير والتهجير القسري لأبناء الشعب من مخيماتهم ومدنهم والمصادرة والتهويد بمختلف مسمياته واشكاله، وفرض القرصنة المتوالدة كالفطر على أموال المقاصة الفلسطينية، وتقطيع أوصال المدن والقرى والمخيمات بالحواجز والبوابات التي قاربت على الالف، الا أن كل هذه الجرائم لن تحول دون توليد الفعل الفلسطيني المضاد بالقوة والتأثير في مجرى الصراع.
كما أن التحولات التي يشهدها العالم باتساع وتعاظم انتفاضة التضامن العالمي، التي لم تكن موجودة قبل وبعد السابع من تشرين اول / أكتوبر 2023 مباشرة، لكن نتاج الإبادة الجماعية الوحشية الإسرائيلية على الشعب الفلسطيني، وانكشاف الوجه الإسرائيلي النازي، انقلب الرأي العام العالمي ضد دولة إسرائيل في تحول نوعي غير مسبوق في تاريخ الصراع على مدار العقود الماضية منذ 77 عاما خلت. كما أن دول العالم وخاصة في الغرب الامبريالي بما في ذلك داخل البيت الأميركي وفي مكونات الحزبين الجمهوري والديمقراطي وبتفاوت ولصالح التحول الاوسع داخل الأخير، وحدوث انزياح تدريجي ونسبي، بعضه جدي وجذري كما في اسبانيا وايرلندا وسلوفينيا وغيرها، وبعضه الاخر شكلي كما بريطانيا وحتى فرنسا وكندا وأستراليا وله ثمن مقابل من الرسمية الفلسطينية، كما حدث ارهاصات هامة في محكمة العدل الدولية ومحكمة الجنائية الدولية، والاهم التحولات الجيوسياسية الدولية في خارطة العالم.
إذا الضم من عدمه ليس امرا حتميا، ومسألة استقلال الدولة الفلسطينية بات أمرا قريب المنال، وليس ببعيد، رغم تصويت 99 نائبا في الكنيست الإسرائيلي برفض الاعتراف أو بوجود دولة فلسطينية، او اعتبارها، كما يصرح رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو بأن استقلالها بمثابة هدية لحركة حماس، هذه الفزاعة والذريعة الكاذبة لم تعد تنطلي حتى على الدول الحليفة الاستراتيجية لدولة إسرائيل، وتعاظم الاعتراف بالدولة الفلسطينية يعكس هذه الحقيقة، وليس العكس، وبالتالي استقلال الدولة الفلسطينية ليس وهما، ولا شطحة في الهواء ومن بدع الخيال الوطني الفلسطيني. وبالتالي حديث المسؤول العربي السابق بشأن المستقبل المسدود أمام خيار حل الدولتين، غير دقيق وفيه مجافاة للحقيقة، وقراءة مبتسرة للواقع الميكانيكي القائم، ودولة إسرائيل اليوم تعيش اعقد وأخطر ازماتها البنيوية الداخلية، التي تهدد وجودها.
ونقطة أخرى حول استطلاعات الرأي التي استند لها المسؤول العربي السابق، بشأن السلطة الفلسطينية والرئيس محمود عباس ونائبه حسين الشيخ، التي حسبه لا تمنح الثقة الا بنسب ضعيفة لا بل شبه معدومة، أود أن أؤكد على ان الاستناد الى استطلاعات الرأي في فلسطين والدول العربية عموما، فيها مغالاة، لأنها لا تمتلك المصداقية عموما، ومن النادر ان تجد استطلاعا موضوعيا، وإن كان لزاما علينا الإقرار بوجود هوة ببين الشعب والسلطة والقيادة الفلسطينية، ليس بسبب الأخطاء والنواقص والمثالب والفساد القائم فقط، انما بفعل عمليات التحريض والتشويه المتعمد من قبل آلة الاعلام الأميركية والصهيونية الإسرائيلية وبعض العربية وحركة حماس وجماعة الاخوان المسلمين في عموم العالم، وحتى من داخل قوى منظمة التحرير الفلسطينية، كل ذلك ساهم ويساهم في عدم مصداقية الاستطلاعات، دون الانتقاص أو التقليل من الخطايا الموجودة في الواقع المؤسساتي الرسمي وكذلك في البنى التنظيمية لحركة فتح وفصائل المنظمة، وهو ما يفرض على قيادة المنظمة والدولة إحداث الإصلاح الضروري والمطلوب فورا، دون تزويق أو تجميل الوضع الراهن، هناك حاجة وضرورة المراجعة الوطنية الشاملة، ومحاكاة التجربة الفلسطينية على الأقل منذ وجود السلطة الوطنية الفلسطينية لوضع الاصبع على الجرح، ورغم الإقرار بوجود خطايا ونواقص، لكن هناك فرق بين الإقرار بوجودها، وبين الاستنتاجات المستندة الى استطلاعات الرأي غير الدقيقة، أو مدفوعة الاجر.
oalghoul@gmail.com
a.a.alrhman@gmail.com



