الحرم الإبراهيمي: صكُّ ملكيةٍ فلسطينيٌّ في مواجهة سياسة فرض الأمر الواقع

تقرير موقف قانوني–سياسي صادر عن كوشان بلدي

تنطلق كوشان بلدي من فهم جوهري للصراع القائم في فلسطين بوصفه صراعًا على الملكية والولاية والسيادة، لا على الإدارة المؤقتة أو الترتيبات الأمنية. فجوهر هذا الصراع يتمحور حول صكّ الملكية ذاته، أي الكوشان، الذي يربط الأرض بأصحابها الشرعيين، ويثبت الحق القانوني والتاريخي الذي لا يسقط بالقوة ولا بالتقادم. ومن هذا المنطلق، فإن ما يتعرض له الحرم الإبراهيمي الشريف في مدينة الخليل يمثل إحدى أخطر ساحات استهداف الكوشان في فلسطين، لأنه يجسّد في آنٍ واحد ملكيةً وقفية ثابتة، وولايةً دينية شرعية، وسيادة تاريخية فلسطينية يسعى الاحتلال إلى تقويضها بصورة ممنهجة.

الحرم الإبراهيمي ليس موقعًا دينيًا متغير الهوية، ولا مساحة قابلة للتأويل السياسي، بل وقف إسلامي ثابت منذ الفتح الإسلامي لمدينة الخليل عام 636 ميلادية، خضع عبر القرون لنظام قانوني متواصل كرّس طابعه الوقفي، وصولًا إلى العهد العثماني الذي سجّله في دفاتر الطابو الرسمية كوقف إسلامي لا يجوز التصرف به أو تقسيمه أو تغيير وظيفته أو نقل ولايته. ويشكّل هذا التثبيت القانوني جوهر صك الملكية، أي الكوشان، في أعلى درجاته القانونية، إذ يثبت الملكية الكاملة للحرم بجميع أجزائه، ويمنح الجهة الوقفية الإسلامية الولاية الحصرية على إدارته وصيانته وتنظيم العبادة فيه، دون شراكة أو انتقاص.

تؤكد كوشان بلدي ومرجعيتها دائرة شؤون اللاجئين في منظمة التحرير الفلسطينية برئاسة الدكتور أحمد أبو هولي، ومنسق الكوشان الأستاذ أكرم جودة ومسؤولة إدارة الكوشان الأستاذة أحلام أبو السعود، أن صك الملكية الفلسطيني في الحرم الإبراهيمي الشريف ثابت، وأن كافة أجزاء الحرم، بما فيها الصحن والمرافق التاريخية، تخضع للملكية والوقف الإسلامي الفلسطيني الثابت، وأن أي محاولة للسيطرة عليها بالقوة أو تعديل وضعها القانوني لا تؤثر على الحقوق الثابتة أو على الولاية الشرعية المقررة أصلاً لصيانة وإدارة الحرم.”

وبناءً على ذلك، فإن دور وزارة الأوقاف الفلسطينية في إدارة الحرم الإبراهيمي ليس تفويضًا إداريًا قابلًا للسحب، بل امتداد قانوني وشرعي للوقف، أي تعبير عملي عن الملكية والولاية معًا. وعليه، فإن أي إجراء يتخذه الاحتلال بسحب الصلاحيات من الأوقاف، أو فرض تدخل في شؤون التنظيم والبناء، أو التحكم بمواعيد فتح وإغلاق الحرم، لا يمكن اعتباره إجراءً تقنيًا، بل يُعدّ اعتداءً مباشرًا على صكّ الملكية الفلسطيني نفسه. فالتجربة التاريخية تثبت أن نزع الولاية هو المدخل الأساسي لنزع الحق، وأن السيطرة على القرار تسبق دائمًا محاولة السيطرة على المكان.

ومنذ احتلال مدينة الخليل عام 1967، يتعامل الاحتلال مع الحرم الإبراهيمي بوصفه ساحة لفرض الأمر الواقع تدريجيًا، عبر سلسلة متراكمة من الانتهاكات بدأت بالتضييق على المصلين، مرورًا بفرض التقسيم الزماني والمكاني عقب مجزرة عام 1994، وصولًا إلى مرحلة السيطرة الشاملة التي تصاعدت بشكل غير مسبوق في السنوات الأخيرة. فقد أُغلق الحرم لأيام طويلة، ومُنعت الجهة الوقفية من تسلّمه خلال الأعياد الإسلامية، ورُكّبت الأقفال على أبوابه، وتكرّر منع رفع الأذان مئات المرات، في مقابل السماح للمستوطنين باقتحامات منظمة، وتنفيذ طقوس صاخبة داخل الأقسام المغتصبة، ورفع الرموز السيادية الإسرائيلية على جدرانه وسطحه. إن هذه الممارسات لا تمثل خروقات معزولة، بل سياسة متكاملة تهدف إلى إلغاء الطابع الوقفي الفلسطيني وفرض سيادة قسرية على المكان.

ويأتي استهداف صحن الحرم الإبراهيمي وقرار استملاكه والسعي إلى سقفه ليشكّل ذروة هذا المسار، إذ إن الصحن ليس تفصيلًا معماريًا يمكن فصله عن الحرم، بل جزء أصيل من وحدته الوقفية، والمتنفس الوحيد له، وأحد أبرز معالمه التاريخية. إن المساس بالصحن يعني إعادة هندسة المكان بما يخدم رواية الاحتلال، وتغيير معالمه ووظيفته، وخلق واقع جديد يُراد له أن يتحول إلى مرجعية مستقبلية. ومن منظور كوشان بلدي، فإن هذا الإجراء يمثّل اعتداءً مباشرًا على الكوشان ذاته، لأن الوقف وحدة قانونية متكاملة، وأي تغيير قسري في بنيته يُعدّ مساسًا بالملكية كاملة.

وترى كوشان بلدي أن ما يجري في الحرم الإبراهيمي يكشف جوهر المشروع الاحتلالي في فلسطين، القائم على نزع الحق عبر تفريغه من مضمونه، لا عبر مواجهته بالشرعية أو القانون. فالاحتلال، الذي لا يملك سند ملكية ولا ولاية شرعية، يلجأ إلى القوة وفرض الوقائع والرموز السيادية الزائفة، في محاولة لتحويل الباطل إلى أمر واقع. غير أن القانون الدولي ومبادئ حماية الممتلكات الدينية والثقافية في الأراضي المحتلة تؤكد أن الاحتلال لا ينشئ حقًا، وأن حماية الأوقاف والمواقع الدينية التزام قانوني لا يقبل الانتقائية.

ومن هنا، تحمل كوشان بلدي هذه الحقيقة إلى المجتمع الدولي، مؤكدة أن حماية الحرم الإبراهيمي ليست مسألة تضامن سياسي، بل واجب قانوني وأخلاقي، وأن الصمت إزاء هذه الانتهاكات يهدد منظومة حماية التراث الإنساني برمتها. كما تخاطب العرب والمسلمين بأن الحرم الإبراهيمي أمانة وقفية جامعة، وأن المساس به يشكّل سابقة خطيرة تطال مفهوم الوقف الإسلامي ذاته. وإلى شعبنا الفلسطيني، تؤكد كوشان بلدي أن معركة الحرم الإبراهيمي هي معركة الكوشان، معركة الحق المثبت والولاية التي لا تسقط، وأن التمسك بالوثيقة والحق هو شكل أصيل من أشكال الدفاع عن الأرض والهوية.

إن الحرم الإبراهيمي، في جوهره، ليس حجرًا يُحاصر، ولا موقعًا قابلًا لإعادة التعريف، بل صك ملكية حيّ، كُتب وقفًا، وسُجّل حقًا، وسيبقى شاهدًا على أن ما ثبت بالشرعية والتاريخ لا يُمحى بالقوة، وأن الكوشان، مهما استُهدف، يبقى أقوى من الاحتلال.
مسؤولة الأعلام كوشان بلدي
أمل موسى بنات

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com