لولا دا سيلفا: حين تصنع العدالة الاجتماعية قوة اقتصادية عالمية

أ.د. سمير مصطفى أبو مدللة
محاضر في جامعة الأزهر – غزة
عضو الأمانة العامة لاتحاد الاقتصاديين الفلسطينيين

تُعدّ تجربة الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا واحدة من أكثر التجارب ثراءً ودلالة في تاريخ دول الجنوب، ليس فقط من حيث نتائجها الاقتصادية، بل من حيث جذورها الاجتماعية والنقابية، التي انعكست بوضوح على فلسفة الحكم والسياسات العامة. فصعود لولا لم يكن مسارًا نخبويًا تقليديًا، بل ثمرة سيرة كفاح شخصي وجماعي بدأت من أقصى الهامش الاجتماعي، وانتهت إلى قيادة واحدة من أكبر اقتصادات العالم.

وُلد لولا عام 1945 في ولاية بيرنامبوكو الفقيرة شمال شرقي البرازيل، في أسرة معدمة عانت الجوع والحرمان. اضطر منذ طفولته إلى العمل للمساهمة في إعالة أسرته، قبل أن تنتقل العائلة إلى مدينة ساو باولو الصناعية بحثًا عن حياة أقل قسوة. هناك عمل في المصانع، وتعرّض لحادث عمل فقد على إثره أحد أصابعه، في واقعة تحوّلت إلى رمز لمعاناة الطبقة العاملة البرازيلية في ظل غياب الحماية الاجتماعية وحقوق العمال.

في قلب هذه البيئة العمالية، تشكّل وعي لولا السياسي. عمل عاملَ معادن، ثم انخرط في النشاط النقابي، ليتحوّل سريعًا إلى أحد أبرز قادة الحركة العمالية. انتُخب رئيسًا لنقابة عمال المعادن في ساو برناردو دو كامبو، وقاد خلال سبعينيات القرن الماضي إضرابات واسعة ضد النظام العسكري، مطالبًا بتحسين الأجور وظروف العمل. شكّل هذا النضال تحديًا مباشرًا للديكتاتورية، وأسهم في إعادة إحياء الحياة السياسية والديمقراطية في البلاد، الأمر الذي أدى إلى اعتقاله وسجنه عام 1980 في محاولة لإخماد صوته النقابي.

من رحم هذا المسار الكفاحي، شارك لولا في تأسيس حزب العمال البرازيلي، وهو حزب يساري ذو جذور اجتماعية ونقابية واضحة، حمل مشروعًا سياسيًا يقوم على العدالة الاجتماعية وحقوق العمال وتعزيز الديمقراطية. ورغم خسارته عدة انتخابات رئاسية في أعوام 1989 و1994 و1998، ظل حضوره الشعبي في اتساع، إلى أن فاز بالرئاسة عام 2002، في لحظة تاريخية مثّلت انتقال قيادة الدولة من النخب التقليدية إلى ممثل صريح للطبقة العاملة والفئات المهمشة.

عند تولّيه الحكم عام 2003، ورث لولا اقتصادًا يعاني من مديونية مرتفعة، وتضخم، وتفاوت اجتماعي حاد. غير أن خلفيته النقابية لم تدفعه إلى سياسات ارتجالية أو صدامية، بل انتهج مقاربة براغماتية جمعت بين الانضباط المالي والدور الاجتماعي للدولة. حافظ على استقرار الاقتصاد الكلي، وسيطر على التضخم، واحترم التزامات الدولة المالية، ما أعاد الثقة بالاقتصاد البرازيلي ووفّر قاعدة صلبة لإطلاق مشروعه الاجتماعي.

في ولايته الأولى، برز برنامج “بولسا فاميليا” كعنوان رئيسي لسياساته، إذ أعاد توزيع الدخل عبر تحويلات نقدية مشروطة بالتعليم والرعاية الصحية، وأسهم في إخراج عشرات الملايين من البرازيليين من دائرة الفقر، وتعزيز الطلب الداخلي، وتحويل الفئات المهمشة إلى عنصر فاعل في عملية النمو. أما ولايته الثانية، فقد شهدت تسارعًا اقتصاديًا لافتًا، مستفيدًا من الطفرة العالمية في أسعار السلع، جرى توظيفها في توسيع البنية التحتية والطاقة والصناعة، مع الحفاظ على توازنات الاقتصاد الكلي.

وعندما اندلعت الأزمة المالية العالمية عام 2008، أظهرت البرازيل قدرة عالية على الصمود بفضل احتياطياتها النقدية وسياساتها التحفيزية، فكانت من أوائل الاقتصادات التي تعافت مقارنة بالعديد من دول الشمال العالمي. ونتيجة لذلك، تحوّلت البرازيل من دولة مدينة لصندوق النقد الدولي إلى قوة اقتصادية صاعدة، وأصبحت أكبر اقتصاد في أمريكا اللاتينية، وفاعلًا أساسيًا في مجموعة “البريكس”، ومن الاقتصادات المؤثرة عالميًا.

محطة الخسارة والعودة: الدرس الأهم في التجربة اللولية

تُعدّ مرحلة ما بعد خروج لولا من الحكم واحدة من أكثر محطات تجربته دلالة. فقد واجه هجومًا سياسيًا وقضائيًا عنيفًا، وتعرّض للإقصاء والسجن، وخسر معسكره الانتخابي السلطة في ظل صعود قوى يمينية محافظة. في تلك المرحلة، بدا لكثيرين أن المشروع اللولي قد انتهى، وأن صعود قائد نقابي إلى قمة السلطة كان استثناءً عابرًا في تاريخ أمريكا اللاتينية.

إلا أن لولا قدّم درسًا استثنائيًا في الصبر السياسي والعمل التراكمي؛ فلم ينسحب من الحياة العامة، ولم يتحوّل إلى مجرد رمز احتجاجي، بل واصل تنظيم صفوفه، والدفاع عن إرثه الاجتماعي، وإعادة بناء تحالفاته الشعبية. ومع تراجع الأداء الاقتصادي والاجتماعي للحكومات التي خلفته، عاد خطابه القائم على العدالة الاجتماعية والنمو الشامل ليجد صدى واسعًا لدى البرازيليين.

وفي عام 2022، عاد لولا دا سيلفا إلى الرئاسة عبر صناديق الاقتراع، ليبدأ ولايته الثالثة عام 2023، في سابقة نادرة في أمريكا اللاتينية، حيث قلّما يتمكّن زعيم يساري من العودة إلى الحكم بعد الهزيمة والإقصاء والسجن. وتمثّل هذه العودة درسًا عميقًا مفاده أن الشرعية الاجتماعية، عندما تكون حقيقية ومتجذّرة، قادرة على تجاوز تقلبات السياسة وموازين القوة المؤقتة.

اليوم، تحتل البرازيل موقعًا متقدمًا على الخريطة الاقتصادية الدولية؛ إذ يُقدَّر ناتجها المحلي الإجمالي الاسمي بنحو 2.1–2.2 تريليون دولار، ما يضعها ضمن أكبر عشرة اقتصادات في العالم، وتمثل قرابة 2% من الناتج العالمي. كما تتقدم إلى مراتب أعلى عند قياس الناتج وفق تعادل القوة الشرائية، ما يعكس الوزن الحقيقي لاقتصادها وسوقها المحلية الواسعة التي تتجاوز 210 ملايين نسمة.

أما متوسط دخل الفرد، فيبلغ نحو 10 آلاف دولار سنويًا، وهو ما يصنّف البرازيل كاقتصاد متوسط الدخل يتمتع بقدرات إنتاجية كبيرة، لكنه لا يزال يواجه تحديات تتعلق بتفاوت الدخول. وقد شكّل هذا الواقع دافعًا لاستمرار تركيز سياسات لولا على العدالة الاجتماعية والحماية الاجتماعية، باعتبارهما شرطين أساسيين لتحويل النمو الاقتصادي إلى تحسّن فعلي في مستوى معيشة المواطنين.

وتتعزز مكانة البرازيل الاقتصادية بكونها عضوًا فاعلًا في مجموعة العشرين (G20)، وركيزة أساسية في تكتل “البريكس”، حيث تلعب دورًا محوريًا في تمثيل مصالح دول الجنوب، والدعوة إلى نظام اقتصادي عالمي أكثر توازنًا. كما تستند قوتها الاقتصادية إلى مزيج من الصادرات الزراعية والطاقة والمواد الخام، إلى جانب قاعدة صناعية معتبرة وسوق داخلية ضخمة.

إن تجربة لولا دا سيلفا تؤكد أن العدالة الاجتماعية ليست عبئًا على الاقتصاد، بل مصدرًا من مصادر قوته واستدامته، وأن الهزيمة السياسية ليست نهاية الطريق إذا ما اقترنت بإرادة شعبية ورؤية واضحة. وهي تجربة تحمل دلالات عميقة لدول الجنوب، ومنها فلسطين، في بحثها عن مسارات تنموية تجمع بين الكرامة الاجتماعية والاستقرار الاقتصادي، وتبرهن أن الطريق من المصنع إلى القصر الرئاسي يمكن أن يكون مسارًا لبناء دولة أكثر عدلًا وقوة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com