يسري درويش: قانون الأحزاب ضرورة وطنية للانتقال من منطق الثورة إلى منطق الدولة

غزة- البيادر السياسي:ـ خلال مداخلة سياسية نقدية، ألقاها يسري درويش، رئيس التحالف المدني للديمقراطية وسيادة القانون، في ورشة العمل الحوارية بعنوان «قانون الأحزاب السياسية المرتقب ودوره في الحياة الديمقراطية»، شدّد درويش على أن التجربة الفلسطينية ليست مجرد سرد تاريخي، بل تجربة وطنية كبرى تستوجب الدراسة والتقييم وفتح نقاش جاد حول مساراتها وتحولاتها.
وأكد درويش أن الفلسطينيين نشأوا في مرحلة تحرر وطني، وصفها الشهيد القائد ياسر عرفات بـ«غابة البنادق»، حيث كانت الشرعية السياسية تُستمد من موقع الفصيل في مواجهة الاحتلال، ومن حجم تضحياته، لا من القوانين أو الأطر التنظيمية. وفي تلك المرحلة، كان الانتماء الوطني هو القانون، وكان الفعل المقاوم هو معيار القبول الشعبي.
وأوضح أن حركة فتح برزت وتقدّمت، وقادت منظمة التحرير الفلسطينية، ليس بقرارات إدارية، بل بفعلها الكفاحي المسلح الذي أوجع الاحتلال، وصنع الانتفاضة الوطنية، وأسّس لثورة فلسطينية معاصرة ذات امتداد شعبي واسع.
وأشار درويش إلى أن المشهد تغيّر جذريًا بعد اتفاق أوسلو، وقيام السلطة الوطنية الفلسطينية، ثم نيل فلسطين صفة دولة مراقب في الأمم المتحدة عام 2012، معتبرًا أن هذه التحولات كانت تستوجب الانتقال من منطق الثورة وحده إلى منطق الدولة تحت الاحتلال، عبر إقرار قانون عصري للأحزاب السياسية ينظم الحياة السياسية ويؤسس لعمل وطني مؤسسي.
وبيّن أن مشروع قانون الأحزاب نوقش لسنوات طويلة داخل الأطر الفصائلية، لكنه لم يصل إلى المجلس التشريعي، بسبب رفض فصائل عدة الكشف عن بنيتها التنظيمية وماليتها في ظل واقع احتلالي مفتوح، ما أبقى القانون حبيس الأدراج، رغم جاهزية مسوداته

وأكد درويش أنه بعد أكثر من ثلاثين عامًا على إنشاء السلطة الوطنية، وأكثر من ثلاثة عشر عامًا على الاعتراف بدولة فلسطين، لم يعد التأخير مبررًا، مشددًا على أن تجسيد الدولة كان يجب أن يتم بإجراءات وطنية داخلية واضحة، تشمل إعلان دولة فلسطين تحت الاحتلال، وإجراء انتخابات برلمانها، وتشكيل حكومتها، كخيار سيادي لا تفاوضي، رغم صعوبة التحدي وجبروت الاحتلال.
وأضاف أن الحروب الأخيرة كشفت زيف ذريعة السرية، معتبرًا أن العالم بات مكشوفًا، وكذلك مصادر التمويل والبنى التنظيمية، ما يستدعي إقرار قانون أحزاب قائم على الحرية والتعددية، يتيح تشكيل الأحزاب بسهولة، ويترك الحكم النهائي للرأي العام.
وتوقف درويش عند قضية التمويل، مؤكدًا أن استقلالية الأحزاب مسألة جوهرية، محذرًا من الارتهان للتمويل الخارجي المشروط، وداعيًا إلى إنشاء آلية وطنية شفافة لتمويل الأحزاب، على غرار ما هو معمول به في منظمة التحرير الفلسطينية، حفاظًا على القرار الوطني المستقل.
كما شدّد على ضرورة دعم الجمعيات والمؤسسات الأهلية بالمال الوطني لتحريرها من الارتهان لشروط الخارج وكذلك إخضاعها لرقابة وطنية صارمة، ضمن خطة استراتيجية شاملة، تقوم على الشفافية والمساءلة، مؤكدًا أن المال العام حق للمواطنين، ولا يجوز إدارته دون كشف وتدقيق.
وفي ختام مداخلته، أكد درويش أنه لا يجوز استمرار أي تجمع أو تنظيم خارج إطار قانوني منظم، داعيًا جميع الفصائل، بما فيها فصائل منظمة التحرير الفلسطينية، إلى توفيق أوضاعها وفق قانون عصري جديد، دون استثناءات أو ادعاءات قدسية، مشددًا على أن قانون الأحزاب ليس إجراءً شكليًا، بل خطوة تأسيسية لبناء دولة فلسطين الحديثة، دولة القانون والتعددية والمساءلة، حتى وهي تحت الاحتلال.



