الإسراء والمعراج: نموذج للحوكمة وإدارة الأزمات… “معجزة إلهية تعيد ترتيب القيادة تحت الضغط”

بقلم/ حلمي أبو طه

لم يكن الإسراء والمعراج حدثتاً معزولاً عن الواقع، بل جاء في ذروة أزمة شاملة، في لحظة تاريخية شديدة القسوة: حصار، فقد، تشكيك، وانسداد أفق. بلغ الضغط على الرسول ﷺ، والمسلمين، والرسالة ذروته، فكان الإسراء والمعراج أولاً وقبل كل شيء معجزة إلهية خالصة، وقعت بإرادة الله خارج قوانين الزمان والمكان تثبيتاً للنبي وتكريماً له وربطاً مباشراً بين السماء والأرض في لحظة انكسار بشري كامل، وهو ما يمنح هذا الحدث دلالة تتجاوز الإعجاز إلى المنهج دون أن تنزع عنه قدسيته. فلم يكونا هروباً من واقع مأزوم، بل إعادة ترتيب للوعي والقيادة قبل استئناف السير في طريق مليء بالمخاطر. ومن هنا، يمكن قراءتهما كنموذج قيادي متقدم في إدارة الأزمات المعقدة، لا بوصفه حدثًا إعجازياً فحسب، بل باعتباره منهجاً في الحوكمة تحت النار، حين تفشل الأدوات التقليدية، وتنهار البيئة الحاضنة، وتصبح القيادة أمام اختبار البقاء والاستمرار دون فقدان البوصلة. فهذه القراءة تكتسب اليوم معناها الأعمق حين تُسقَط على واقع قطاع غزة. فهي ذات البيئة التي يعيشها الفلسطيني اليوم، حيث تتقاطع الأزمات السياسية والإنسانية والإدارية في لحظة تاريخية خانقة. فقد جاء الإسراء والمعراج بعد عام الحزن، وهو عام يمكن توصيفه بلغة الإدارة الحديثة بأنه مرحلة انهيار شامل في الموارد. حين فقد النبي ﷺ السند الاجتماعي (خديجة) والسياسي (أبو طالب)، وتعرض لأقصى درجات الرفض والإقصاء. هذه اللحظة تشبه إلى حد بعيد الواقع الفلسطيني: بيئة معادية خارجياً، انقسام داخلي، وفي ظل غياب الاستقرار، وشُح الموارد، وتآكل الثقة من مواطن مُنهك يبحث عن أمل لا عن شعارات. في علم الإدارة والقيادة، تُعد هذه المرحلة أخطر لحظات القرار. حيث تميل القيادات إما إلى الانكفاء أو المقامرة غير المحسوبة. لكن الإسراء يقدم نموذجاً ثالثاً: إعادة بناء القائد من الداخل قبل إدارة الخارج. ففي إدارة الأزمات، هناك لحظة تُسمّى لحظة إعادة الضبط، والمعراج كان هذه اللحظة. فلم يكن هروباً من الأزمة، بل إعادة شحن روحي واستراتيجي لمواجهتها. وفي غزة، علينا أن نختار، إما أن تُدار الأزمة بوصفها طارئة، وإما كحالة دائمة تجعل الإنسان في مواجهة استنزاف نفسي ومعنوي مستمر. وهنا تتقاطع التجربة مع لحظة الإسراء؛ إذ كان النبي ﷺ في موقع القائد الذي استُنزفت موارده البشرية والاجتماعية، وضيّق عليه في الحركة، وشُكك في رسالته، ومع ذلك لم تكن الاستجابة انكفاءً أو تصعيداً عاطفياً، بل ارتقاءً في الوعي. فالمعراج جاء كإعادة بناء داخلية للقائد قبل أي فعل خارجي، وكأن الرسالة تقول إن القيادة في زمن الانهيار تبدأ من ترميم المعنى لا من إدارة الضجيج. في غزة، تتكرر إدارة الأزمة كحالة دائمة، لا كظرف استثنائي، ما يؤدي إلى: تطبيع المعاناة، واستهلاك الموارد دون رؤية، وإنهاك الإنسان قبل البنية. فرغم أن الإسراء والمعراج لا يلغيان الألم، ولا ينكران الواقع، بل يعيدان تعريفه، فبدل أن تكون الأزمة نهاية الطريق، تحولت إلى نقطة انعطاف. وهذا جوهر إدارة الأزمات الحديثة: الانتقال من رد الفعل إلى الفعل الواعي، ومن إدارة الكارثة إلى بناء المرونة. ففرض الصلاة في المعراج ليس تفصيلاً تعبدياً فقط، بل أداة إدارة إنسان تحت الضغط: من حيث أنها نظام يومي، واتصال معنوي، وفيها إعادة توازن نفسي في بيئة قهر. ومساواة كاملة بلا هرمية، حيث تختفي الهياكل أحياناً، وتصبح الحوكمة الذاتية للمجتمع خط الدفاع الأخير. وهي درس بالغ الأهمية لمجتمع يعيش صدمة جماعية متكررة كغزة، حيث لا يمكن إعادة الإعمار أو إدارة الحكم الرشيد، دون إعادة بناء الإنسان. فالأزمات التي لا تُدار أخلاقياً تتحول إلى أدوات كسر، لا إلى محفزات صمود. وهذا جوهر إدارة الأزمات: الحفاظ على النظام حين تغيب السلطة المركزية الفاعلة. وحين نقرأ الإسراء والمعراج من زاوية الحوكمة، تتضح ملامح نموذج مختلف في إدارة الواقع الحالي. فالحوكمة الرشيدة لا تُختبر في الرخاء، بل في الأزمات. فلم يُفرض الحدث كأداة تعبئة قسرية في مكة، ولم يُستخدم لتصفية المشككين أو إخضاع المجتمع، بل تُرك الإيمان به فعلاً حراً، حتى وإن كان صادماً للعقل المألوف. هذا السلوك يعكس وعياً عميقاً بأن الشرعية الحقيقية لا تُبنى بالقوة ولا بتزييف الوعي، بل بالصدق واحترام قدرة الناس على الاختيار. فالنبي ﷺ لم يفرض الإيمان بالحدث، بل ترك مساحة الاختبار: {وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس} وهذا يعكس مبدأ حوكمي متقدم: احترام وعي الناس، وعدم توظيف الحدث لصناعة ولاء قسري، وضرورة الفصل بين الإيمان الحر والإدارة القسرية. وهو ما تفتقده كثير من نماذج الحكم في السياق الفلسطيني، حيث تُدار الأزمات غالباً بمنطق “الضبط”، لا بمنطق “الاحتواء”.
وفي هذا درس بالغ الأهمية لواقع فلسطيني أُنهكت فيه الثقة بين المواطن والأنظمة الحاكمة، حيث غالباً ما تُدار الأزمات بلغة السيطرة لا بلغة الشراكة، وبمنطق الأمن لا بمنطق المسؤولية العامة. فتآكلت الثقة بين المواطن والسلطة الحاكمة، بسبب: غياب الشفافية، وتسييس القرار الخدمي، وتضارب الأدوار بين الأمني والسياسي والإنساني. الإسراء والمعراج حدثاً ذا بعد مزدوج: روحانياً وعقدياً، وسياسياً وحضارياً، في آن واحد. إذ يُظهر كيف يمكن للوعي الروحي أن يشكّل مركزاً للهوية والسياسة قبل أن تُعرف مفاهيم الدولة والحدود. إضافة لذلك، يشير الحدث إلى أن القيادة الناجحة لا تُبنى على القوة وحدها، بل على القدرة على الرؤية والاستشراف، وفهم ما هو مهم على المستوى الاستراتيجي. كما يمكن اعتباره تدريباً نفسياً وروحياً للقيادة الصالحة، إذ يجهز القائد داخلياً قبل أن يُكلف بتغيير الواقع. وهذا الدرس لا يقتصر على النبي ﷺ وحده، بل يمتد لكل من يريد أن يترك أثراً مستداماً في المجتمع. فالقيم والروحانية هما أصل القيادة، قبل أن تأتي السلطة أو الوسائل المادية. لقد صاغ هذا الحدث نموذجاً فريداً للقيادة التي تبدأ بالذات، وتعتمد على الثبات بالقيم قبل أي قوة مادية، وهو درس يستحق التأمل لكل جيل، سواء في زمن النبي ﷺ أو في زمننا المعاصر، حيث التحديات الإنسانية والسياسية تتشابك بشكل متسارع. إن ربط مكة بالقدس في الإسراء ليس صدفة، وليس تفصيلاً رمزياً، بل مركز بوصلة وإعادة تموضع استراتيجي للرسالة. فربط مكة بالقدس في لحظة المعجزة يؤكد أن الجغرافيا في الوعي الإسلامي ليست خرائط. وإنما رسالة سياسية–حضارية واضحة: القدس ليست هامشاً، وليست ملف تفاوض، بل مركز وعي وهوية. وفي منطق الحوكمة، يُفهم هذا على أنه: توسيع دائرة الشرعية، وربط القيادة بتاريخها ورمزيتها، وعدم الارتهان لبيئة واحدة مهما كانت مركزيتها. كما أن القدس في الإسراء تمثل مركزاً رمزياً للشرعية القيمية، وليس مجرد موقع ديني. وفي الواقع الفلسطيني المعاصر، حيث جرى فصل القضايا عن بعضها وتحويلها إلى ملفات منفصلة لإفراغ القضية من روحها. فتم اختزال القدس إلى خطاب موسمي، بينما تُدار غزة كملف أمني–إنساني معزول عن بعدها الوطني والسياسي. ورغم ذلك، الإسراء يعيد توحيد الجغرافيا الرمزية: فلا مشروع بلا قدس، ولا حكم بلا بوصلة. وهنا تبرز الحاجة الملحّة إلى قيادة فلسطينية تمتلك رؤية جامعة، تعيد وصل الجغرافيا بالمشروع الوطني، وتتعامل مع الأرض كوحدة قضية لا كمناطق منفصلة. فإدارة الأزمات لا تنجح إذا انحصرت في الواقع المحلي المعزول، بل تتطلب ربط الأداء اليومي بالهوية الوطنية، وعدم فصل العمل الإنساني عن معناه السياسي والأخلاقي، والحفاظ على وحدة السردية في مواجهة التفكك. فالحوكمة هنا لا تعني اللوائح فقط، بل إدارة المعنى والشرعية في زمن الفوضى. كما أن المعراج يقدّم نموذجاً واضحاً للقيادة: فالقيادة لا تُبنى بالصوت العالي، ولا بإدارة الغضب، ولا بتصدير الوهم. بل بـ: الصدق والاتزان والقدرة على تحمّل الضغط دون نقل الانهيار إلى المجتمع. فإدارة الأزمة لا تعني إنكار الألم، ولا تستثمر فيه سياسياً ومادياً. فالإيمان الذي اختبره الإسراء والمعراج لم يكن إنكاراً للواقع، بل قدرة على العمل داخله دون الانهيار. وهذا درس محوري في غزة: أنه لا يمكن إدارة الأزمة عبر الشعارات، ولا عبر التهوين من الألم، ولا عبر المزايدة على الصبر. بل عبر: الاعتراف بالخسائر، والشفافية مع الناس، وإشراك المجتمع في إدارة المخاطر. فهذه هي الحوكمة في صورتها الإنسانية. لكن في تقديري هذا النموذج غائب اليوم في الخطاب السياسي الفلسطيني، وما تفتقده القيادة في زمننا؛ حيث: تُخفى الحقائق بالشعارات، وتُجمّل الخسائر بلغة الانتصار اللفظي، ويُدار الوعي بلغة التعبئة لا المصارحة. فالقرارات انفعالية في غياب التنسيق، وتضارب الصلاحيات، واستنزاف المجتمع نفسياً. وفي هذا السياق الإسراء والمعراج يعلّمنا: أن القيادة الصادقة لا تخشى الحقيقة، بل تخشى الكذب باسمها. تعرف متى تصمت، ومتى تنظّم، ومتى تحمي الإنسان حتى على حساب الصورة، فلا إنكار للألم، ولا استثمار فيه، بل تحويله إلى وعي ومسؤولية. في زمن الحصار والنزوح والقهر، يُقدّم الإسراء والمعراج رسالة واضحة: أن القهر ليس نهاية الطريق. وأن القوة الداخلية والقيمية هي ما تصنع الفرق. وأن الإنسان قد يُمنع من الأرض، لكنه لا يُمنع من الارتقاء بالوعي والعمل. وفي النهاية، لا يمكن فهم الإسراء والمعراج كقصة عزاء روحي فقط، بل كنموذج وخارطة طريق متكامل لقيادة أبوية حكيمة، تحكم بالقيم لا بالشعارات، وتدير الأزمات بوعي لا تتاجر بها، وتعيد بناء الإنسان قبل البنيان، وقبل أن تطلب منه الصمود. فالإنسان مورد استراتيجي في زمن شح الموارد. والحوكمة الأخلاقية شرط للاستمرارية. وفي غزة، حيث تتكثف المأساة ويُختبر المعنى كل يوم، تصبح هذه القراءة ضرورة لا ترفاً فكرياً.
فكما لم يكن المعراج خروجاً من الأرض بل عودة أقوى إليها، فإن الخلاص لغزة لا يكون بالهروب من الواقع، بل بالارتقاء الأخلاقي والسياسي في إدارتها، حتى في أقصى الظروف. والإسراء والمعراج يقولان بوضوح: يمكن للإنسان أن يُحاصر… لكن لا يجب أن يُكسر. ليس لأن السماء ستتدخل دائماً، بل لأن الإنسان الموصول بالقيم قادر على إدارة الألم دون أن يتحول إلى نسخة منه. وبهذا المعنى، الإسراء والمعراج ليسا ذكرى، بل دليل عمل إنساني وإداري في زمن الانهيار.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com