” استراتيجية الدفاع القومي ” الأمريكية الجديدة: تركيز على الهيمنة وتراجع عن حماية الحلفاء.. د/ كاظم ناصر

أصدرت وزارة الحرب الأمريكية يوم الجمعة 23/1/  2026″ استراتيجية الدفاع القومي ” لهذا العام التي تضمنت تحولا هاما في السياسات الأمريكية في مجال الدفاع، وجسدت عقيدة ” أمريكا أولا ” بمنح الأولوية القصوى لحماية أراضيها وأمنها الوطني، وليس الدفاع عن أوروبا وعن حلفائها وعملائها، ودعم محاولاتها المستمرة للهيمنة على الاقتصاد والقرار السياسي الدولي من خلال فرض الضرائب على العديد من دول العالم، وإغلاق حدودها في وجه الهاجرين، وترحيل المهاجرين غير النظاميين، ومطالبة حلفائها في أوروبا والشرق الأوسط وكوريا الجنوبية بتحمل مسؤولية الدفاع عن أنفسهم، والتأكيد على محاولاتها لاحتواء الصين وضمان عدم هيمنتها على منطقة المحيطين الهادي والهندي، ووصف روسيا بأنها تهديد دائم لدول حلف شمال الأطلسي ” الناتو “، والإشارة إلى انها ستعيد ترسيخ هيمنتها العسكرية في القارة الأمريكية كاملة لحماية مصالحها، ولن تسمح لإيران بامتلاك أسلحة نووية.
فعلى الصعيد الأمريكي هناك تناقض واضح بين ما قاله وزير الحرب بيت هيغسيث عن الاستراتيجية الجديدة وتصرفات دونالد ترمب. هيغسيث قال إن الولايات المتحدة لن تنشغل بعد الآن ” بالتدخلات الخارجية والحروب التي لا تنتهي، وتغيير الأنظمة، وبناء الدول. بدلا من ذلك، سنضع مصالح شعبنا العملية والملموسة في المقام الأول.” لكن هذا التوجه مغايرا تماما لما يقوم به دونالد ترمب منذ بداية ولايته الثانية كتغييره اسم ” وزارة الدفاع ” إلى ” وزارة الحرب ” ومشاركة إدارته في قتل الفلسطينيين وتدمير غزة، والهجمات التي شنتها ضد إيران وفنزويلا، والغارات الجوية على أهداف في اليمن والعراق وسوريا والصومال، والتلويح باستخدام القوة في غرينلاند وعدد من دول أمريكا اللاتينية، والمطالبة بضم كندا للولايات المتحدة وإعادة السيطرة على قناة بنما.
وعلى الصعيد الأوروبي أثارت الاستراتيجية الدفاعية الأمريكية الجديدة ردود فعل أوروبية سلبية، ومن المتوقع أن تؤدي إلى اتساع الفجوة بين أوروبا والولايات المتحدة لعدد من الأسباب من أهمها موقف ترمب من الحرب الروسية الأوكرانية، والرسوم الجمركية التي فرضها على عدد من دولها، ولهجته الحادة التي تدعم وتروج لليمين الأوروبي المتطرف، وتشكيكه المتكرر لقيمة التحالفات، ومطالبته الأوروبيين بالدفاع عن أنفسهم، مما دفع العديد من قادة القارة العجوز إلى إعادة طرح الاستقلال التدريجي عن الولايات المتحدة، وعزز سعيهم إلى تنويع خياراتهم في الدفاع والطاقة داخل الاتحاد، وأدى إلى تعزيز التبادل التجاري والسياسي الأوروبي – الصيني، فقد زار الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بكين، وسيتوجه رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر إليها يوم الثلاثاء القادم لإجراء محادثات تجارية مع الجانب الصيني.
وعلى صعيد العلاقات العربية الأمريكية فإن ترمب نجح في ابتزاز القادة العرب بما يزيد عن أربع تريليونات دولار خلال السنة الأولى من ولايته الثانية، وسيضغط عليهم لشراء أسلحة بمئات بلايين الدولارات خلال الثلاث سنوات المتبقية له في البيت الأبيض؛ أي إنه يهتم أولا وأخيرا في المحافظة على مصالح بلاده، وحماية إسرائيل وضمان تفوقها العسكري على دول المنطقة، ولا تهمه مطلقا طموحات الشعوب العربية، ولا بقاء القادة العرب الخانعين للإرادة الأمريكية إذا دعت الحاجة ومصالح أمريكا وإسرائيل إلى التخلي عنهم وعن أنظمتهم.
 ولهذا يمكن القول أن” استراتيجية الدفاع القومي ” الأمريكية لعام 2026 تؤكد بوضوح أن الولايات المتحدة الأمريكية لا تهتم إلا بمصالحها، وتتخلى عن أقرب حلفائها وعملائها عندما تنتهي خدماتهم لها، وإن إدارة ترمب كشفت الوجه البشع للسياسات الأمريكية المتقلبة التي تحرص على استمرار الهيمنة الأمريكية، ولا تهتم بصالح وطموحات حلفائها الأوروبيين والآسيويين وعملائها العرب!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com