مجلس السلام الأميركي بين هندسة الإقليم وإدارة الفوضى: هل نحن أمام خطة تفكيك جيوسياسي جديدة؟

إعداد وتقرير: المحامي علي أبو حبلة
مقدمة
إعادة إحياء مشروع “مجلس السلام” برئاسة دونالد ترمب بعد عودته إلى البيت الأبيض ليست مجرد مبادرة دبلوماسية لحل الأزمات، بل إطار سياسي-أمني عابر للحدود يُراد له أن يعيد هندسة الشرق الأوسط الكبير من بوابة “السلام القسري” و”الاستقرار الإجباري” الذي يحاكي نظريات الإمبراطورية الجديدة في الإدارة الجيوسياسية.
وإذا كان المجلس التنفيذي لقطاع غزة قد طرح كنموذج لإعادة تشكيل الحكم المحلي بعد حرب غزة، فإن توسيع الفكرة إلى إطار إقليمي عبر “مجلس سلام” يتجاوز فلسطين إلى خارطة ممتدة من ليبيا والسودان واليمن وسوريا ولبنان والعراق وصولاً إلى الخليج وباكستان وتركيا وإيران، يؤشر إلى مشروع أميركي-إسرائيلي طويل الأمد لإعادة صياغة النظام الإقليمي من جهة، وتقويض الهياكل السيادية للدول الوطنية من جهة أخرى.
أولاً: هندسة الشرق الأوسط الجديد من بوابة الفوضى
المشروع لا يأتي من فراغ؛ فالفوضى التي ضربت الإقليم منذ 2001 ثم تعمقت من 2011 كانت البيئة المثالية لتفكيك الجغرافيا والبنى الوطنية، عبر:
إضعاف الدولة المركزية. نقل الصراعات نحو الداخل. تعزيز الهويات ما دون الدولة. تجفيف الموارد الاستراتيجية.
تطويع النخب السياسية والمالية.
وهذا يحاكي فلسفة “تقسيم المقسّم وتجزئة المجزّأ” لا بالضرورة وفق خرائط سايكس-بيكو التقليدية بل عبر شكل جديد من “التفكيك الناعم” الذي يستبدل الحدود العسكرية بحدود اقتصادية-تجارية-إدارية تفصل ولا تقطع.
ثانياً: الدول المستهدفة في الخرائط الجيوسياسية الجديدة
الاهتمام الأميركي-الإسرائيلي-الغربي لا ينطلق من الأيديولوجيا بل من المصالح الاستراتيجية، وأبرز الدول التي تقع في دائرة الاستهداف الجغرافي-الوظيفي:
السعودية: بوابة الطاقة العالمية وسوق المال الإسلامي ومفتاح الخليج، ومركز مشروع نيوم والبحر الأحمر، وركيزة الأمن السني، وهدف رئيسي في صراع القيادة الإقليمية.
مصر: الدولة العربية الأكبر ديمغرافياً وعسكرياً، ومفتاح سيناء وغزة والبحر الأحمر وقناة السويس وشمال أفريقيا.
تركيا: القوة الأوراسية الصاعدة وممر الطاقة إلى أوروبا وورقة الناتو الحساسة.
إيران: محور الممانعة ونطاق الاتصال من غزة إلى بيروت وبغداد ودمشق وصنعاء.
باكستان: القوة النووية الإسلامية الوحيدة ومفتاح آسيا الوسطى وبوابة الصين.
سوريا والعراق ولبنان واليمن وليبيا والسودان: تمثل نطاق الفوضى والأسواق المفتوحة لتجارب إعادة الهندسة.
الإمارات (أبوظبي): رأس حربة اقتصادية-مالية-دبلوماسية في مشاريع الاقليم الجديد وربط الأسواق والموانئ.
ثالثاً: فلسطين كمختبر للفكرة: مجلس غزة والمجلس التنفيذي
الحرب على غزة فتحت الباب لأول تجارب “الحوكمة ما بعد الحرب” عبر:
طرح مجلس تنفيذي لقطاع غزة
توفير مظلة أميركية-عربية-إسرائيلية لإدارته
تكريس نموذج “الكيان الوظيفي” المنفصل
وبالتوازي يُطرح في الكواليس إمكانية تشكيل مجلس تنفيذي للضفة الغربية من التكنوقراط والأمنيين والاقتصاديين لتكريس الانفصال النهائي بين:
غزة ككيان سياسي-أمني منفصل والضفة الغربية كمنطقة حكم إداري-اقتصادي والقدس ككيان خاص تحت إدارة أمنية-دينية متعددة الأطراف وهذا هو جوهر رؤية يهودية-صهيونية منذ 1987 تقوم على تفتيت فلسطين لا حلّها.
رابعاً: الدور الأوروبي: بين الموازنة والالتحاق
أوروبا ليست غائبة: فرنسا تسعى لدور متوسطي-لبناني-سوري وألمانيا في ملف السلاح والاقتصاد وبريطانيا في ملفات الخليج والبحر الأحمر والاتحاد الأوروبي في ملف غزة والاعتراف بفلسطين
لكن أوروبا تفتقر إلى “استراتيجية” وتتحرك تحت سقف واشنطن مع هامش دبلوماسي محدود.
خامساً: مطلوب من الفلسطينيين
أمام هذا المشهد، الخيار الفلسطيني لا يمكن أن يكون انتظارياً أو تكيفياً، بل يتطلب:
منع تكريس الفصل بين غزة والضفة والقدس وضرورة إحياء المنظمة على قاعدة الشراكة الوطنية وإعادة تعريف القضية كقضية تحرر وطني لا كمشكلة إنسانية أو إغاثية وبناء اقتصاد مقاوم والحفاظ على وحدة التمثيل الدبلوماسي مع بذل الجهد السياسي والدبلوماسي والعمل ضمن استعادة العمق العربي-الإسلامي-الدولي
سادساً: التوصيات الاستراتيجية للسعودية ومصر وتركيا وإيران وباكستان
السعودية: التحصين الاستراتيجي ومنع جرّ المنطقة إلى محاور داخلية تعيق مشروع الشرق الأوسط الأخضر والتنمية-2050.
مصر: إعادة تموضع البحر الأحمر-شرق المتوسط وتفعيل العمق الأفريقي-العربي.
تركيا: الاستفادة من الموقع الأوراسي وبناء توازن بين الناتو وروسيا وإيران والعرب.
إيران: تخفيف الاحتكاك العسكري-الميداني لصالح القوة الناعمة-السياسية-الاقتصادية.
باكستان: تحويل القوة النووية إلى رافعة دبلوماسية في النظام الإسلامي-الآسيوي.
سابعاً: رؤية استراتيجية للمستقبل الفلسطيني-العربي-الإسلامي
حتى لا يتحول الشرق الأوسط إلى “سوق إدارة أزمات” يجب:
تبني إطار تعاون أمني-اقتصادي عربي-إسلامي
إعادة صياغة العلاقة مع الطاقة والتكنولوجيا والمعرفة
بناء منظومة إعلام استراتيجية
رفع مستوى التكامل الدفاعي-التكنولوجي
إحياء محور “التنمية مقابل الاستقلال” لا “السلام مقابل الأمن”
خاتمة
ما يُطرح اليوم ليس سلاماً بل إدارة هندسية للمنطقة، وما يسمى “مجلس السلام” هو محاولة لوضع الإقليم في صيغة ما بعد الدولة الوطنية. لكن المنطقة ليست قدراً، والتاريخ لم يُختتم بعد، والفاعلون الإقليميون يمتلكون القدرة على قلب الطاولة إذا امتلكوا رؤية وسياسة ومشروعاً.



