قلة يجرؤون على الكلام عن الحقيقة…!.. بقلم د. عبدالرحيم جاموس

ليست الحقيقة غائبة عن وعينا الجمعي، لكنها محاصَرة.
نعرفها، نلمسها، ونراها في تفاصيل حياتنا العامة، لكن القلة فقط من تجرؤ على قولها علنًا.
ليس لأن الحقيقة ملتبسة، بل لأن ثمن النطق بها صار أعلى من قدرة كثيرين على الاحتمال.
وهكذا، يتحول الصمت من استثناء إلى قاعدة، ومن ضعف فردي إلى سلوك عام.
في زمنٍ يُفترض أنه عصر الحريات والمنصات المفتوحة، تواجه الحقيقة مفارقة فاضحة: كلما كانت صادقة، مباشرة، وكاشفة، ازدادت صعوبة نشرها. فالناشرون، على اختلاف أشكالهم، لا يتحركون وفق معيار الحقيقة وحدها، بل وفق حسابات المصالح، والاصطفافات السياسية، والخوف من فقدان الامتيازات أو التعرض للمساءلة.
الحقيقة هنا لا تُقاس بصدقها، بل بمدى “أمانها”.
من يحاول نشر الحقيقة يكتشف سريعًا أن المشكلة لا تكمن في ضعف الحجة أو نقص الأدلة، بل في “عدم الرغبة” في النشر. يُقابل بالاعتذار المهذب، أو بالتسويف، أو بالرفض غير المعلن ، تُختلق الذرائع: الموضوع حساس، الطرح حاد، السياق غير مناسب، أو لا ينسجم مع سياسة المنصة. وفي الجوهر، الحقيقة مرفوضة لأنها تُربك السائد وتكسر التواطؤ الصامت.
الأخطر أن بعض المنصات لا تكتفي برفض الحقيقة، بل تستبدلها بسرديات مريحة، أو بخطاب مُفرَّغ من مضمونه، يلتف حول الوقائع بدل مواجهتها. وهكذا، يُعاد إنتاج الوهم على حساب الوعي، ويُكافأ الخطاب المهادن، فيما يُعاقَب الخطاب الصادق بالتهميش أو الإقصاء.
أما من يصرّ على الكلام، فيدفع ثمنًا شخصيًا. يُوصم بالتشدد، أو التشويش، أو “الخروج عن الإجماع”. تُستهدف نواياه بدل أفكاره، ويُشكَّك في دوافعه بدل مناقشة ما يطرحه. ومع تكرار هذه التجارب، يتراجع كثيرون خطوة إلى الوراء، ليس اقتناعًا، بل اتقاءً للخسارة.
لكن الحقيقة، رغم كل ذلك، لا تُمحى. قد تُؤجَّل، وقد تُدفن مؤقتًا، لكنها تعود دائمًا، لأن المجتمعات لا تُبنى على الإنكار، ولا تستقيم على الصمت. والتاريخ لا يتذكر الذين صمتوا، بل أولئك الذين قالوا ما لم يكن مسموحًا قوله.
إن أزمة الحقيقة اليوم ليست في ندرتها، بل في شجاعة حملها، وفي نزاهة المنابر التي يفترض أن تنشرها. فالإعلام الذي يخشى الحقيقة يفقد وظيفته، والمجتمع الذي يعاقب الصدق يحكم على نفسه بالتكلس.
في النهاية، ليست المسألة من يملك الحقيقة، بل من يملك الجرأة على قولها، ومن يملك الاستعداد لتحمل تبعاتها. وهنا تحديدًا، نفهم لماذا قلة فقط يجرؤون على الكلام عن الحقيقة.
بقلم: د. عبد الرحيم جاموس
الرياض
29/1/2026

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com