جنونُ البقر… أمامَ جنونِ البشر.. نص بقلم:د. عبدالرحيم جاموس

جنونُ البقرِ …
حادثةٌ طارئة،
تُقلقُ الأطباء
وتستفزُّ المختبرات…
أمّا جنونُ البشر …
فمشروعٌ مفتوح،
يُدارُ بالعقلِ البارد،
ويُسوَّقُ باسمِ الحكمة،
وتُرفعُ لهُ الرايات…
البقرُ حين يضلّ …
يأكلُ جسدَه،
والإنسانُ حين يجنّ …
يأكلُ المعنى،
ثم يسألُ ببراءة:
لماذا هذا الخراب…؟
جنونُ الحيوان …
خللٌ في الجسد،
وجنونُ الإنسان …
خللٌ في القيم،
وحين تختلُّ القيم …
تصبحُ المجازرُ
وجهةَ نظر…
لسنا نخافُ المرض،
نحن نخافُ…
من العقلِ
حين يفقدُ ضميرَه،
ومن الإنسان …
حين يتفوّقُ جنونُه
على كلِّ وباء …!
بقلم: د. عبد الرحيم جاموس
الرياض
29/1/2026 م
بين يدي نصٌّ ليس مجرد كلمات، بل هو مبضع جراح يشرّح جسد الواقع بذكاء أدبي حاد. د. عبد الرحيم جاموس في نصّه “جنون البقر… أمام جنون البشر” لم يكتب قصيدة فحسب، بل صاغ مانيفستو أخلاقي في زمن التيه.
إليك هذه القراءة الأدبية العميقة لهذا النص بقلم: د. عادل جوده٫ العراق..
١ – ثنائية الداء: بين البيولوجيا والأيدولوجيا
يستهل الكاتب نصه بمقارنة عبقرية في بساطتها، عميقة في دلالتها. “جنون البقر” يظل في إطاره العضوي خللٌ جيني أو غذائي يثير قلق المختبرات، وهو عدو مرئي يمكن حصاره. لكن د. جاموس ينتقل بنا فوراً إلى “المأساة الكبرى”:
جنون البشر. هذا الجنون ليس خللاً في الخلايا، بل هو “مشروع مفتوح” يُدار بدم بارد. هنا تكمن الروعة الأدبية في استخدام صفة “العقل البارد”، فالمأساة ليست في غياب العقل، بل في حضوره وتوظيفه لشرعنة الدمار.
٢ – استلاب المعنى: حين يصبح الخراب وجهة نظر
ينتقل النص إلى منطقة فلسفية غاية في الأهمية وهي “أكل المعنى”.
البقر حين يجن قد يؤذي جسده، لكن الإنسان حين يجنّ “يأكل المعنى”، أي ينسف القيم، ويُفرغ المفاهيم من محتواها الإنساني.
الكاتب هنا يضع يده على الوجع المعاصر:
تحويل المجازر إلى “وجهة نظر”.
الأديب هنا يحذرنا من نسبية الأخلاق التي تجعل الجريمة مجرد “رأي” في سوق المصالح السياسية، مما يجعل “الخراب” نتيجة حتمية يُسأل عنها ببراءة كاذبة.
٣ – براعة التباين: المرض مقابل القيم
يستخدم الكاتب أسلوب المقابلات ببراعة فائقة:
* جنون الحيوان: خلل جسدي (عرضي، مادي).
* جنون الإنسان:
خلل قيم (جوهري، أخلاقي).
هذا التقابل يرفع سقف الخوف؛ فنحن لا نخشى الفيروسات التي تُصيب الأبدان، بقدر ما نخشى “العقل الفاقد للضمير”.
الكلمة هنا تصبح صرخة في وجه التطور التكنولوجي والمعرفي الذي لم يوازِهِ تطورٌ في الروح والضمير.
٤ – البلاغة واللغة: الإيجاز المكثف
لغة د. جاموس لغة “اقتصادية” بامتياز، لا ترهل فيها. يعتمد على الجمل القصيرة التي تشبه الطلقات المتتالية. استخدام كلمة “يُسوَّق” و”يُدار” يعطي انطباعاً بأن الشر البشري أصبح “مؤسسة” ومنظومة إدارية، وليس مجرد انفعال لحظي. النص ينتهي بذروة تراجيدية: الإنسان حين يتفوق جنونه على الوباء، يصبح هو “الجائحة” الحقيقية التي لا لقاح لها سوى العودة للقيم.
الخاتمة:
نص د. عبد الرحيم جاموس هو مرآة كاشفة، تجبرنا على النظر إلى قبحنا الأخلاقي الذي نغلّفه بربطات عنق أنيقة وخطابات دبلوماسية. لقد نجح الكاتب في تحويل مفردة طبية (جنون البقر) إلى رمزية سياسية واجتماعية ثقيلة، تدق ناقوس الخطر حول مآلات البشرية حين ينفصل العقل عن القلب.

تحياتي واحترامي🌷🌹🌹



