نتنياهو وإسقاط حل الدولتين: بين سياسة الضم والخطر على الاستقرار الإقليمي.. بقلم المحامي علي أبو حبلة

أثارت التصريحات الأخيرة لرئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو موجة واسعة من القلق على المستوى الفلسطيني والعربي والدولي، إذ أعلن صراحة رفضه إقامة دولة فلسطينية، مؤكداً أن “إسرائيل ستسيطر أمنياً من نهر الأردن حتى البحر، بما يشمل قطاع غزة أيضاً”. هذا الموقف يتجاوز الخلاف السياسي التقليدي ويشكل انتهاكاً واضحاً للشرعية الدولية وللاتفاقيات الإقليمية والدبلوماسية التي شكلت الإطار الأساسي لتسوية الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي منذ حرب 1967.

الخرق القانوني والشرعية الدولية

تصريحات نتنياهو تتعارض مع مجموعة من القرارات الدولية الملزمة التي تؤكد على حقوق الشعب الفلسطيني وحدود الأراضي المحتلة:

قرار مجلس الأمن 242 (1967) الذي دعا إسرائيل للانسحاب من الأراضي التي احتلتها خلال حرب حزيران 1967، وضمان احترام سيادة الدول وسلامتها.

قرار مجلس الأمن 338 (1973) الذي دعا لتطبيق القرار 242 كأساس للتسوية السلمية.

قرار مجلس الأمن 2334 (2016) الذي اعتبر الاستيطان والضم في الأراضي المحتلة مخالفاً للقانون الدولي ويقوّض حل الدولتين.

اتفاقيات جنيف الرابعة (1949) التي تمنع نقل السكان المحتلين وإجراء تغييرات ديموغرافية على الأراضي المحتلة.

من منظور القانون الدولي، فإن إعلان السيطرة من النهر إلى البحر يشكّل انتهاكاً صارخاً للحقوق الفلسطينية ويمكن اعتباره إطاراً لجرائم الحرب وفق نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية.

خروقات للاتفاقيات الإقليمية

تصريحات نتنياهو تتناقض أيضاً مع الاتفاقات الإقليمية التي أُبرمت لضبط الصراع وتحقيق الاستقرار في المنطقة:

كامب ديفيد (1978–1979): بالرغم من كونه اتفاقاً مصرياً–إسرائيلياً، فقد أقر بضرورة منح الفلسطينيين حكم ذاتي وتأسيس إطار تفاوضي لحل الصراع.

معاهدة وادي عربة (1994): أكدت على أن الضفة الغربية أراضٍ محتلة وأن مستقبلها يجب أن يُحدد من خلال تسوية سلمية بين الأطراف.

اتفاقيات أوسلو (1993–1995): نصت على الاعتراف المتبادل بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية ومبدأ “الأرض مقابل السلام”، كأساس لتشكيل دولة فلسطينية قابلة للحياة.

إعلان نتنياهو عن السيطرة الأمنية الفعلية على كل الأراضي الفلسطينية يعني عملياً إلغاء هذه الاتفاقيات من جانب واحد، وهو ما يفتح الباب أمام مواجهة عربية ودولية واسعة.

ومن تداعيات الحرب على غزة وتوازن القوى الدولي نجد أن الحرب الأخيرة على قطاع غزة أعادت رسم خريطة القوى الإقليمية والدولية:

فيما تواصل الولايات المتحدة  دعم إسرائيل سياسياً وعسكرياً، لكنها تواجه ضغوطاً متزايدة من الكونغرس والمجتمع المدني الدولي. والاتحاد الأوروبي: يتزايد التأييد لدولة فلسطينية ورفض الإجراءات الإسرائيلية الأحادية.

القوى الإقليمية الكبرى (الصين وروسيا): تتحرك في إطار دعم التعددية والشرعية الدولية، ما يضع إسرائيل أمام مأزق استراتيجي.

إصرار إسرائيل على الضم والتحكم الأمني يعكس هروباً من أي تسوية سياسية حقيقية واستثماراً للمعركة العسكرية لتعزيز مكاسبها الاستراتيجية.

البعد العربي – الأردني والمصري حيث أن تصريحات نتنياهو تحمل تداعيات خطيرة على  الامن القومي وتهدد أمنهما  القومي وتفتح ملف الوصاية الهاشمية على القدس، وقد تؤدي إلى توترات ديموغرافية وسياسية ، والضم الأمني لغزة يعيد فتح ملف المعابر والحدود وسيناء ويضع القاهرة في مواجهة مباشرة مع تداعيات الاحتلال على الأمن الإقليمي.

هذا الواقع يضع الدول العربية أمام تحدٍ مزدوج: دعم القضية الفلسطينية وحماية مصالحها الوطنية والاستراتيجية.

تصريحات نتنياهو تسلط الضوء على غياب مشروع وطني موحد فلسطيني ، ما يمنح إسرائيل فرصة تفكيك الجغرافيا السياسية بين غزة والضفة والقدس.

والوضع الحالي يتطلب إعادة تفعيل منظمة التحرير الفلسطينية كممثل شرعي ووحيد للشعب الفلسطيني ضمن عملية مراجعة العلاقة بين السلطة الفلسطينية وأوسلو لضمان قدرة الفلسطينيين على حماية حقوقهم. وصياغة استراتيجية فلسطينية موحدة تجمع بين المقاومة الدبلوماسية والسياسية والقانونية.

يمكن تحديد ثلاثة سيناريوهات رئيسة للمسار القادم:

ضم تدريجي صامت عبر قوانين الاستيطان والسيطرة الأمنية.

ضم معلن لمناطق محددة مثل الأغوار أو مناطق (ج).

إدارة صراع مفتوحة بلا تسوية، وهو السيناريو الأكثر ترجيحاً حالياً، لكنه محفوف بمخاطر انفجار إقليمي ودولي.

في جميع الأحوال، فإن التحرك العربي والدولي لم يعد خياراً بل ضرورة استراتيجية للحفاظ على استقرار المنطقة ومنع تصعيد جديد للصراع.

خاصة وأن تصريحات نتنياهو تمثل إعلاناً رسمياً عن نهاية مرحلة التسوية التي بدأت مع مدريد وأوسلو وكامب ديفيد ووادي عربة، وتفتح الطريق أمام مرحلة جديدة قائمة على فرض الوقائع بالقوة. إن التحرك العربي والفلسطيني والدولي الموحد لمواجهة هذا التحدي أصبح ضرورة حقيقية لضمان استقرار الشرق الأوسط والحفاظ على حقوق الشعب الفلسطيني وفق القانون الدولي.

مقاربة استراتيجية للصراع الفلسطيني الاسرائيلي في المرحلة الراهنة

بقلم: المحامي علي أبو حبلة

تفرض تطورات المرحلة الراهنة إعادة قراءة عناصر القوة الكامنة في الحالة الفلسطينية، في ظل تداخل اعتبارات استراتيجية وقانونية وسياسية إقليمية ودولية، وإزاء تحولات داخل إسرائيل تنعكس على طبيعة الصراع ومستقبله. فبعد سنوات من محاولات التعطيل والتهميش والتطبيع الجزئي، تعود القضية الفلسطينية لتشكل محورًا رئيسيًا في المشهد الإقليمي والدولي، لا بوصفها نزاعًا محليًا فحسب، بل كقضية ترتبط باستقرار المنطقة وبهيكل الأمن الدولي الأوسع.

ورغم الظروف المعقدة، لا تزال أوراق القوة الفلسطينية الأساسية قائمة، سواء من خلال إرادة الصمود الشعبي أو من خلال استمرارية المطالبة بالحقوق الوطنية وفق الشرعية الدولية. وأثبتت التجارب أن محاولات الضغط أو الترهيب أو الترغيب لم تؤد إلى إضعاف الموقف الفلسطيني، بل عززت حضور الهوية السياسية والحقوقية للقضية، وأعادت تأكيد عدم قابلية الشعب الفلسطيني للاستسلام أو القبول بحلول تتجاوز متطلبات العدالة.

هذه المعادلة لا تنطلق من الاعتبارات العاطفية، بل من قراءة موضوعية لمعادلات القوة الفعلية، التي تشمل الرصيد القانوني الدولي، والذاكرة التاريخية للقضية، وقدرة الفلسطينيين على إعادة إنتاج سرديتهم أمام المؤسسات الدولية والرأي العام العالمي.

في المستوى القانوني، تستند القضية الفلسطينية إلى منظومة متكاملة من القرارات الدولية الصادرة عن الأمم المتحدة ومجلس الأمن ومحكمة العدل الدولية، وجميعها  تؤكد مبدأ تقرير المصير ورفض الاستيلاء على الأراضي بالقوة وتجريم الاستيطان والضم. هذه المرجعية تمنح الصراع بُعدًا قانونيًا ثابتًا يصعب تجاوزه، وتُحمّل المجتمع الدولي مسؤولية حماية قواعد القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي العام.

ومن منظور العدالة الدولية، بات من الواضح أن أي محاولة لتسوية النزاع بمعزل عن الشرعية الدولية أو بعيدًا عن هذه المرتكزات القانونية لن تنتج سلامًا مستدامًا، بل ستؤدي إلى تفاقم أسباب التوتر وعدم الاستقرار.

التحولات في الموقف العربي والإقليمي حيث شهد الموقف العربي خلال العقد الأخير تباينات في المقاربات تجاه الملف الفلسطيني، إلا أن الأحداث الأخيرة أثبتت أن القضية ما زالت ضمن أولويات الأمن القومي العربي باعتبارها مسألة استراتيجية ذات امتداد إقليمي، وأن تجاوزها أو التعامل معها من باب التهميش يخالف معادلات الاستقرار في المنطقة.

كما أفرزت التطورات الأخيرة إعادة تموضع ملحوظة في العلاقات الإقليمية والدولية، عززت إدراكًا مستجدًا بأن غياب حل عادل وشامل للصراع الفلسطيني–الإسرائيلي يشكل عامل ضغط على منظومة العلاقات والتحالفات الإقليمية، ويُسهم في إدامة التوترات والنزاعات.

وحقيقة القول أن إسرائيل أمام اختبارات داخلية ومعادلات أمنية جديدة ، فقد  أظهرت الحرب وتداعياتها وجود انقسامات داخلية حول قضايا الأمن والسياسة والتسوية. فقد تصاعدت المزايدات السياسية داخل اليمين المتطرف، في مقابل دعوات من المؤسسة العسكرية والأمنية لإعادة تقييم السياسات القائمة بما يتناسب مع حدود القوة الفعلية ومع الحسابات الدولية.

وتعكس هذه الانقسامات انتقال إسرائيل من مرحلة المبادرة إلى مرحلة إعادة الحسابات، مع إدراك متزايد لتراجع القدرة على فرض خيارات أحادية الجانب دون اعتبار للأطراف الأخرى أو للمجتمع الدولي.

 ووفق التوازنات الدولية ومستقبل النظام الإقليمي ، يتداخل الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي اليوم مع شبكة علاقات دولية أوسع تشمل الولايات المتحدة وأوروبا والصين وروسيا، إضافة إلى القوى الإقليمية الأساسية. ويمكن القول إن الأزمة لم تعد محصورة في ثنائية احتلال–مقاومة، بل باتت جزءًا من منظومة الأمن الدولي. وهذا التحول يدفع القوى الكبرى إلى مقاربة الصراع ضمن معادلات أكثر تعقيدًا ترتبط بمستقبل النظام الدولي، وبالتوازنات في الشرق الأوسط، وبالاعتبارات الاقتصادية والسياسية والأمنية.

وتبدو القضية الفلسطينية مقبلة على مرحلة جديدة يُعاد فيها تعريف مساراتها السياسية والدبلوماسية. فمن غير المتوقع أن تنهي الحرب القضية أو أن تفرض تسوية أحادية، بل ستدفع باتجاه تكريس مقاربة تستند إلى العدالة والشرعية الدولية باعتبارهما شرطين لأي استقرار مستدام.

ومع تزايد الاقتناع الدولي بأن تجاهل حقوق الشعب الفلسطيني لم يعد ممكنًا أو قابلًا للاستمرار، تصبح الخيارات المستقبلية محكومة بإطار قانوني وسياسي يعيد الاعتبار لمفهوم الحل العادل والشامل، ويؤسس لسلام قائم على الاعتراف بالحقوق لا على تجاوزها.

وخلاصة القول إن القراءة الموضوعية للمرحلة تظهر أن الصراع لم يعد يدور فقط حول موازين القوة التقليدية، بل حول كيفية إعادة دمج القضية الفلسطينية في النظامين الإقليمي والدولي وفق منطق العدالة والقانون ومتطلبات الأمن. وعند هذه النقطة، يصبح من الواضح أن الشعب الفلسطيني ما زال يمتلك القدرة على التأثير في مسار الصراع، وأن مستقبل القضية لن يُقفل إلا عبر حل يعكس الشرعية الدولية ويحقق متطلبات السلام المستدام.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com