القدس بين الثبات والابتزاز السياسي

بقلم: المحامي علي أبو حبلة

لم يعد الدور الذي تؤديه المنظمات الصهيونية في الولايات المتحدة مقتصرًا على الدفاع عن السياسات الإسرائيلية، بل بات يتخذ طابعًا أكثر خطورة، يتمثل في إعادة تصنيف الدول العربية وفق معيار التطبيع غير المشروط. وفي هذا السياق، برز الهجوم المتكرر على المملكة العربية السعودية، مقابل الدفاع العلني عن دولة الإمارات، في مشهد يعكس محاولات منهجية لتفكيك الموقف العربي وإضعاف أي دولة تربط السلام بإنهاء الاحتلال واحترام الحقوق الفلسطينية.

منظمات الضغط الصهيوني وإعادة هندسة المواقف العربية

تنتمي المنظمة الصهيونية الأمريكية إلى التيار الصهيوني الديني–القومي المتطرف، الذي يرفض قيام دولة فلسطينية، ويعتبر فلسطين التاريخية “أرض الميعاد”. هذا التيار لا يرى في القانون الدولي مرجعية، بل عائقًا أمام مشروع توسعي قائم على فرض الأمر الواقع. ومن هنا، فإن مهاجمة السعودية ليست سوى عقاب سياسي لموقفها المعلن الرافض للتطبيع دون قيام دولة فلسطينية مستقلة، في حين يُنظر إلى الإمارات كنموذج “مكافأ” لتجاوزها هذا الشرط.

التطبيع غير المشروط ومخاطره

إن الدفاع الصهيوني عن الإمارات لا ينطلق من حرص على السلام، بل من سعي لتكريس نموذج إقليمي يقوم على تحييد القضية الفلسطينية وتحويلها إلى ملف ثانوي. هذا المسار لا يهدد الفلسطينيين وحدهم، بل يفتح الباب أمام:

تفكيك الإجماع العربي

إضعاف الموقف التفاوضي الفلسطيني ، تشريع الاستيطان والضم ،تسريع تهويد القدس

السعودية… ولماذا تُستهدف؟

تمثل المملكة العربية السعودية بثقلها السياسي والديني ركيزة أساسية في أي تسوية عادلة. تمسكها بمبادرة السلام العربية، واشتراطها قيام دولة فلسطينية مستقلة وعاصمتها القدس الشرقية، يجعلها عقبة حقيقية أمام مشروع تصفية القضية الفلسطينية. ولهذا تتعرض لحملات ضغط وتشويه من منظمات صهيونية ترى في موقفها تهديدًا مباشرًا لمخطط التطبيع الشامل.

القدس: الوضع القانوني والوصاية الهاشمية

من منظور القانون الدولي، تُعد القدس الشرقية أرضًا فلسطينية محتلة وفق قرارات الأمم المتحدة، ولا يترتب على الاحتلال أو الضم أي أثر قانوني. وقد أكدت قرارات مجلس الأمن، خاصة القرارين 242 و2334، بطلان جميع الإجراءات الإسرائيلية الرامية إلى تغيير طابع المدينة أو وضعها القانوني.

وتكتسب القدس بعدًا قانونيًا وسياسيًا إضافيًا من خلال الوصاية الهاشمية الأردنية على المقدسات الإسلامية والمسيحية، وهي وصاية معترف بها دوليًا ومؤكدة في:

اتفاقية السلام الأردنية–الإسرائيلية (وادي عربة 1994) قرارات اليونسكو

الموقف الدولي العام

إلا أن إسرائيل دأبت على خرق هذه الوصاية عبر الاقتحامات المتكررة للمسجد الأقصى، وتغيير الواقع القائم (Status Quo)، ومنع دائرة الأوقاف الأردنية من أداء مهامها بحرية.

خرق إسرائيل لاتفاقيتي وادي عربة وكامب ديفيد

إن السياسات الإسرائيلية في القدس والأراضي المحتلة تشكّل انتهاكًا صريحًا ليس فقط للقانون الدولي، بل أيضًا للاتفاقيات الموقعة مع دول عربية:

اتفاقية وادي عربة: تنص على احترام الدور الأردني في المقدسات، وعدم المساس بالوضع القائم، وهو ما تخرقه إسرائيل بشكل ممنهج.

اتفاقية كامب ديفيد: قامت على مبدأ “الأرض مقابل السلام”، لكن استمرار الاحتلال والاستيطان يقوض هذا الأساس، ويفرغ الاتفاق من مضمونه.

هذه الخروقات تؤكد أن إسرائيل تستخدم الاتفاقيات كغطاء سياسي، دون التزام حقيقي بروحها أو بنصوصها.

الحاجة إلى اصطفاف عربي–إسلامي

أمام هذه التحديات، تصبح الحاجة ملحة إلى تكتل عربي–إسلامي داعم للموقف السعودي والأردني، يقوم على:

دعم الوصاية الهاشمية على القدس ، رفض التطبيع غير المشروط ،  إعادة الاعتبار لمبادرة السلام العربية ، تحريك المسار السياسي الدولي لإقامة دولة فلسطينية مستقلة وحماية عروبة القدس ووقف تهويدها

ونختم بالقول إن استهداف السعودية، وتهميش الوصاية الأردنية، ومكافأة التطبيع المجاني، ليست وقائع منفصلة، بل حلقات في مشروع واحد يهدف إلى تصفية القضية الفلسطينية. وحده موقف عربي–إسلامي موحد، يستند إلى الشرعية الدولية، ويحمي القدس وحقوق الشعب الفلسطيني غير القابلة للتصرف، قادر على إفشال هذه المخططات وإعادة الاعتبار لفلسطين كقضية مركزية للأمة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com