اللجنة الوطنية لإدارة غزة: مسؤولية وطنية في الزمن الصعب.. دكتور/ محمد المصري

مر على شعبنا الفلسطيني في قطاع غزة أكثر من عامين وثلاثة أشهر، وهم يعيشون في أقصى الظروف تعقيدا، حيث لم تعد الكارثة مقتصرة على الدمار الواسع والخسائر البشرية الفادحة، بل طالت قدرة المجتمع على الاحتمال والصمود، خاصة فيما يتعلق بحياتهم اليومية.
وفي ظل هذا الواقع الاستثنائي، جاءت ردود فعل الفلسطينيين الايجابية على تشكيل اللجنة الوطنية لإدارة قطاع غزة كاستجابة وطنية اضطرارية، تهدف إلى سد فراغ خطير، وحماية المجتمع من الفوضى والانهيار، بعيدًا عن أي حسابات فصائلية أو مشاريع بديلة عن الشرعية الفلسطينية.
جاء تشكيل اللجنة الوطنية وفقا للقرارالأممي 2802 واعلان من قبل مجلس السلام، وهذا الاعلان ولأسباب عديدة لقي ترحيبًا من السلطة الوطنية الفلسطينية باعتباره خطوة مؤقتة تخدم مصلحة أبناء شعبنا في غزة، وتنسجم مع الجهد الوطني العام الرامي إلى الحفاظ على وحدة الأرض والمؤسسات، وتخفيف معاناة المواطنين إلى حين تهيئة الظروف لعودة الدور الكامل للسلطة الوطنية الفلسطينية لممارسة مهامها في القطاع
وان المواقف التي صدرت عن القيادة الشرعية، جميع الفصائل، والقطاع الأوسع من أبناء شعبنا خاصة في قطاع غزة، بدعم هذه اللجنة، لا ينطلق من فراغ، بل من إدراك عميق بأن أفرادها شخصيات وطنية موثوقة، معروفة بتاريخها المهني والوطني، وهم من أبناء قطاع غزة، يعيشون بين أهلهم، وعائلاتهم ما زالت تحت النار، وقد ذاقوا – كغيرهم من أبناء شعبنا – ويلات الحرب، وفقدوا البيوت والأحبة، ويتحملون ذات المعاناة اليومية. وهذا ما يمنح عملهم بعدًا أخلاقيًا ووطنيًا، ويجعلهم أكثر التصاقًا بحاجات الناس وأولوياتهم الفعلية، بعيدًا عن أي مقاربات نظرية أو قرارات معزولة عن الواقع.
وفي رأيي ان اللجنة الوطنية امامها فرصة حقيقية بتقديم الحد الأدنى من الخدمات، على صعيد الاغاثة والايواء، وتأمين الكرامة لشعبنا في قطاع غزة، بعد ان قدم أرقي حالات الصمود.
وتنسيق الجهد الإغاثي، ودعم البلديات والمؤسسات المحلية، بما يحفظ للمواطن امكانية البقاء، ويعزز صموده. كما تشكل إطارًا يمكن من خلاله إعادة بناء الثقة المجتمعية، وإشراك الكفاءات الوطنية المستقلة، بما يرسخ مفهوم الإدارة الوطنية الجامعة، ويمهّد لمرحلة سياسية وإدارية أكثر استقرارًا، وهذا الأمر ممكن إذا تعامل الكل الوطني بأن نجاح اللجنة الوطنية مسؤولية الجميع، نعم أمام اللجنة فرصة لتحقيق ذلك لكنها لا تخلو من التحديات، وفي مقدمتها انتشار السلاح خارج إطار المرجعية الوطنية الواحدة. فغياب الضبط الوطني للسلاح يشكل تهديدًا مباشرًا لأي إدارة مدنية، ويقوض السلم الأهلي، ويضعف قدرة اللجنة على أداء مهامها، وألاهم أنه يمنح الاحتلال الذرائع للاستمرار بعدوانه وسياساته التدميرية بحق شعبنا، وهذا ما رأيناه بالأمس 31/1/2026، حيث بلغ عدد الشهداء أكثر من 33 شخص في يوم واحد عدى الجرحى.
إن السلاح الفلسطيني، يجب أن يكون سلاحًا وطنيًا منضبطًا، خاضعًا لقرار سياسي موحد، وتحت مرجعية وطنية جامعة. فالتعدد غير المنظم لمراكز القوة لا يحمي غزة، ولا يخدم المشروع الوطني، بل يفاقم الأزمات، ويهدد وحدة المجتمع، ويضعف الموقف الفلسطيني في مواجهة الاحتلال.
نعم ندعم اللجنة الوطنية لإدارة غزة، لكن يجب أن نؤكد على أن منظمة التحرير الفلسطينية هي المرجعية السياسية العليا والممثل الشرعي والوحيد لشعبنا الفلسطيني، وأن السلطة الوطنية الفلسطينية هي الجهة المخولة دستوريًا بإدارة شؤون الأرض الفلسطينية. وبالطبع فإن نجاح اللجنة الوطنية يقاس بمدى التزامها بهذه المرجعيات، وهذا ما نعرفه عن اعضاءها وعن اللجنة وقدرتها على العمل كجسم مرحلي، يهيئ الأرضية لعودة السلطة الوطنية إلى قطاع غزة، ويصون وحدة الجغرافيا الفلسطينية، ويرفض أي مشاريع فصل أو إدارة دائمة بديلة. ان نجاح اللجنة في عملها هو نجاح للكل الفلسطيني، وعلى الجميع في قطاع غزة، وبالمقدمة حركة حماس، ان لا تعيق عمل اللجنة بأي أسلوب كان.
إن دعم اللجنة الوطنية لإدارة قطاع غزة هو دعم وطني مسؤول، لكن يجب ان لا نتجاهل المخاطر، بل يجب ان نوازن بين ضرورات الواقع وثوابت المشروع الوطني. دعمٌ هدفه حماية الإنسان الفلسطيني، والحفاظ على وحدة الأرض والقرار، وتحويل هذه اللحظة القاسية إلى فرصة لإعادة ترميم البيت الفلسطيني، على قاعدة الشراكة والوحدة والشرعية، واعتقد هذه فرصتنا وإلا نكون دخلنا مرحلة الانكشاف، وهذه مسؤولية الجميع، المهم نقدم مصلحة شعبنا، على مصلحة احزابنا.



