تصريحات الأمير تركي الفيصل: كلمة حق في زمن المعايير المزدوجة.. بقلم: المحامي علي أبو حبلة

في لحظة إقليمية ودولية شديدة الاضطراب، تتراجع فيها لغة القانون لصالح منطق القوة، برز المقال الذي كتبه الأمير تركي الفيصل، ونشرته صحيفة ذا ناشيونال الإماراتية، بوصفه كلمة حق في وقت بات فيه قول الحقيقة استثناءً لا قاعدة. وقد حظي المقال بوصفه “شجاعًا وجريئًا”، غير أن توصيفه الأدق أنه تشخيص صريح لاختلال النظام الدولي ومعاييره المزدوجة.
ففي خضم التصعيد الإسرائيلي–الأمريكي ضد إيران، وما رافقه من خطاب سياسي يقدّم العدوان باعتباره خدمة للأمن والسلم العالميين، جاء مقال الأمير تركي الفيصل ليفكك هذه السردية، ويعيد النقاش إلى أساسه القانوني والأخلاقي.
أولى النقاط الجوهرية التي تناولها المقال تتعلق بازدواجية المعايير في ملف السلاح النووي. فالهجوم على إيران جرى تبريره بذريعة منعها من امتلاك سلاح نووي، في حين يغضّ المجتمع الدولي الطرف عن حقيقة أن إسرائيل تمتلك ترسانة نووية متكاملة، لا تخضع لأي رقابة دولية، ولم تنضم إلى معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية. هذه المفارقة، كما يوضح الأمير، لا تمثل دفاعًا عن إيران، بل دفاعًا عن مبدأ العدالة والمساواة أمام القانون الدولي، الذي بات يُطبّق بانتقائية فاضحة.
ثانيًا، يسلّط الأمير تركي الفيصل الضوء على نفاق الخطاب الغربي، حيث تواصل دول غربية التشدق بقيم الديمقراطية وحقوق الإنسان، بينما توفر الغطاء السياسي والعسكري للحرب على غزة، وتؤيد الاعتداءات الإسرائيلية، أو تبررها، في تناقض صارخ بين القول والممارسة. ونتيجة لذلك، تآكلت مكانة القانون الدولي، وتحول النظام العالمي، كما وصفه الأمير، إلى حالة “يُرثى لها”، تُدار فيها العلاقات الدولية وفق ميزان القوة لا ميزان العدالة.
أما على الصعيد العربي، فيشير المقال إلى أن الموقف العربي من التطورات الأخيرة جاء موقفًا مبدئيًا ومسؤولًا. فعلى الرغم من الخلافات السياسية العميقة بين عدد من الدول العربية وإيران، فإن الإدانة العربية للهجوم عليها استندت إلى مبادئ ثابتة، أبرزها احترام سيادة الدول ورفض العدوان وخرق القانون الدولي. ويعكس هذا الموقف إدراكًا عربيًا بأن أمن المنطقة لا يمكن أن يتحقق عبر الحروب الاستباقية، بل من خلال الحلول السياسية والحوار.
وفي هذا السياق، تتقاطع أفكار الأمير تركي الفيصل مع حقيقة باتت واضحة في المشهد الإقليمي، مفادها أن بنيامين نتنياهو لا يمكن أن يكون شريكًا للسلام. فسياساته القائمة على التصعيد، واستمرار القتل في الميدان، وتغذية الصراع بدل احتوائه، تقوّض أي أفق حقيقي لتسوية سياسية عادلة. كما أن الدعم الأمريكي غير المشروط لهذه السياسات، ولا سيما من قبل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، يعزز مناخ الإفلات من العقاب ويشجع على المزيد من الانتهاكات.
ويختتم الأمير مقاله بنصيحة صادقة للرئيس الأمريكي، داعيًا إياه إلى الاستماع لأصدقاء الولايات المتحدة في السعودية ودول الخليج، ممن يسعون بصدق إلى تحقيق السلام والاستقرار. غير أن التجربة تشير إلى أن هذه النصائح غالبًا ما تصطدم بحسابات داخلية أمريكية وانحيازات سياسية تجعل من السلام شعارًا أكثر منه هدفًا فعليًا.
قد لا يغيّر مقال واحد مسار الأحداث، لكن كلمة الحق تظل عنصرًا أساسيًا في معركة الوعي. وفي عالم يزداد اضطرابًا، تكتسب المواقف الصريحة الصادرة عن شخصيات ذات وزن سياسي وأخلاقي أهمية مضاعفة. ومن هنا، لا يُقرأ مقال الأمير تركي الفيصل بوصفه رأيًا عابرًا، بل شهادة سياسية وأخلاقية في زمن اختلال العدالة الدولية.



