كيف نُمثّل فلسطينيي الخارج دون الاصطدام بدول العالم؟.. بقلم : د. عبدالرحيم جاموس

مقاربة واقعية تعيد إدماج الشتات في النظام السياسي الفلسطيني…
في ضوء المرسوم الرئاسي الذي أصدره الرئيس محمود عباس بالدعوة إلى إجراء انتخابات المجلس الوطني الفلسطيني بتاريخ 1/11/2026، تعود إلى الواجهة إحدى أكثر القضايا حساسية وتعقيداً في الحياة السياسية الفلسطينية، وهي مسألة تمثيل الفلسطينيين المقيمين في الخارج.
فبينما يشكّل هذا المرسوم خطوة سياسية بالغة الأهمية باتجاه تجديد الشرعيات وإعادة بناء مؤسسات التمثيل الوطني، فإنه يطرح في الوقت ذاته تساؤلات جوهرية حول الآليات الممكنة والواقعية لإشراك ملايين الفلسطينيين في الشتات، في ظل قيود قانونية وسيادية تفرضها دول الإقامة، وتعدد الجنسيات، واتساع رقعة التوزع الجغرافي.
وانطلاقاً من هذا الاستحقاق، تأتي هذه الرؤية بوصفها مساهمة تحليلية ومنهجية تهدف إلى مقاربة إشكالية تمثيل فلسطينيي الخارج بعيداً عن الشعارات أو النماذج غير القابلة للتطبيق، وبحث سبل عملية توازن بين الحق الوطني المشروع والواقع القانوني الدولي، بما يضمن تمثيلاً سياسياً فاعلاً دون الاصطدام مع العالم.
يُعدّ تمثيل الفلسطينيين المقيمين في الخارج أحد أكثر القضايا تعقيداً في مسار إعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني.
فالإجماع الوطني قائم على حقهم في المشاركة، لكن الإشكالية الحقيقية تكمن في كيفية ترجمة هذا الحق إلى آلية عملية قابلة للتطبيق.
وقد أثبتت التجربة أن الإصرار على النموذج الانتخابي التقليدي، القائم على الاقتراع الفردي المباشر، لا يؤدي إلى تفعيل التمثيل بقدر ما يقود إلى تعطيله.
فغالبية الدول التي يقيم فيها الفلسطينيون لا تسمح بإجراء انتخابات سياسية لكيان أجنبي على أراضيها، خاصة عندما يكون المشاركون من حملة جنسياتها. كما أن غياب إحصاءات دقيقة ومُحدّثة حول أعداد الفلسطينيين في الخارج، وتفاوت مستويات التنظيم داخل الجاليات، يجعل من إعداد سجل انتخابي شامل مهمة شديدة الصعوبة، إن لم تكن مستحيلة في المرحلة الراهنة.
إلى جانب ذلك، يقع النقاش الوطني أحياناً في خلط منهجي بين الشرعية بوصفها هدفاً سياسياً، والانتخاب المباشر بوصفه الوسيلة الوحيدة لتحقيقها. هذا الخلط يتجاهل خصوصية الحالة الفلسطينية، بوصفها حالة شعب واقع تحت الاحتلال، وموزع قسراً في الشتات، حيث تصبح الشرعية في كثير من الأحيان تمثيلية وتوافقية أكثر منها إجرائية صِرفة.
في هذا السياق، تبرز الحاجة إلى مقاربة واقعية تعيد تعريف الإطار والآلية معاً، دون التفريط بحق التمثيل أو الاصطدام بالقوانين الدولية.
ومن هنا، يقدَّم الجمع بين التمثيل غير الإقليمي والانتخاب بالوكالة التمثيلية كخيار عملي قابل للتنفيذ.
يقوم التمثيل غير الإقليمي على فصل التمثيل السياسي عن الجغرافيا السيادية للدول المضيفة. فبدلاً من التعامل مع كل دولة كوحدة انتخابية، يُعاد تنظيم الفلسطينيين في الخارج ضمن أقاليم تمثيلية كبرى، مثل: الشتات العربي، أوروبا، الأميركيتان، وأستراليا وآسيا. ويُخصَّص لكل إقليم عدد من المقاعد في المجلس الوطني الفلسطيني وفق تقديرات عامة ومرنة، دون الارتهان لأرقام سكانية دقيقة أو سجلات انتخابية مكتملة.
هذا الإطار لا يلغي خصوصية الدول، ولا يتجاهل سيادتها، بل ينقل التمثيل من مستوى الدولة إلى مستوى الإقليم السياسي، بما يحفظ وحدة التمثيل الوطني ويقلل الاحتكاك القانوني مع دول الإقامة.
أما على مستوى الآلية، فيأتي نموذج الانتخاب بالوكالة التمثيلية بوصفه الأداة الأكثر واقعية لتفعيل هذا الإطار. ويقوم هذا النموذج على مبدأ أن الفلسطينيين في الخارج لا يُمثَّلون فقط كأفراد، بل من خلال أطرهم الجماعية المنظمة، مثل اتحادات الجاليات، والروابط، ومؤسسات المجتمع المدني الفلسطينية.
وفق هذا النموذج، تقوم هذه الأطر بانتخاب هيئاتها القيادية وفق قوانين الدول التي تعمل فيها.
ثم تُشكَّل من هذه القيادات هيئات تمثيلية وسيطة على مستوى الدولة أو الإقليم، تتولى بدورها انتخاب ممثلي الفلسطينيين في الخارج في المجلس الوطني الفلسطيني.
وبهذا، يتحقق تمثيل غير مباشر، لكنه قائم على انتخاب فعلي، وجماعي، وقانوني، لا يصطدم مع أنظمة الدول المضيفة.
إن الجمع بين التمثيل غير الإقليمي كإطار، والوكالة التمثيلية كآلية، يحقق جملة من المزايا.
فهو يحترم سيادة الدول، ويخفف العبء اللوجستي والإداري، ويعزز التمثيل الحقيقي للجاليات المنظمة، ويوفر شرعية مركّبة تستند إلى التنظيم والتوافق والوظيفة الوطنية.
ومع ذلك، لا يخلو هذا النموذج من تحديات، أبرزها خطر احتكار التمثيل من قبل أطر مغلقة أو فصائلية، وتفاوت قوة الجاليات بين دولة وأخرى.
غير أن هذه التحديات قابلة للإدارة، من خلال وضع معايير واضحة للاعتراف بالأطر التمثيلية، وضمان الشفافية، وتحديد طبيعة المرحلة بوصفها انتقالية قابلة للتطوير والمراجعة.
في المحصلة، فإن تمثيل الفلسطينيين في الخارج ليس مسألة تقنية، بل قضية سياسية تمس جوهر المشروع الوطني الفلسطيني.
غير أن الواقعية السياسية تفرض الاعتراف بأن الطريق إلى هذا التمثيل لا يمر عبر صندوق اقتراع تقليدي، بل عبر إبداع سياسي يوازن بين الحق والواقع.
ويقدّم الجمع بين التمثيل غير الإقليمي والوكالة التمثيلية حلاً ممكناً ومدروساً، يعيد إدماج الشتات في الحياة السياسية الفلسطينية، ويفتح الباب أمام إعادة بناء مؤسسات التمثيل على أسس أكثر شمولاً وواقعية.
د. عبد الرحيم جاموس
الرياض
3/2/2026 م



