الحقيقةُ لا تُهزَم…! نصٌ: بقلم: د. عبدالرحيم جاموس

الحقيقةُ لا تُهزَم …
ليسَ لأنَّ العَتَمَةَ أرحمُ،
بل لأنَّ الضوءَ…
يطرحُ أسئلةً
لا نُحبُّ سماعَها…
نُغلِقُ أعينَنا…
حينَ يُصبِحُ الواقعُ فاضحًا،
وحينَ تَغدو الحقيقةُ …
أقربَ من أن تُنكَر،
وأقسى من أن تُحتَمَل…
يمكنُكَ أن تُغلِقَ عينيكَ،
أن تُسدِلَ السِّتارَ على المشهد،
أن تُقنِعَ نفسَكَ …
أنَّ ما لا يُرى …
غيرُ موجود،
وأنَّ الصمتَ …
صيغةٌ أُخرى للسَّلام…
يمكنُكَ أن تُعيدَ تسميةَ الأشياء،
أن تُهذِّبَ الكذبةَ…
حتّى تبدو مقبولة،
أن تُزوِّرَ الضوءَ…
وتتَّهِمَ المرآة،
أن تُراكِمَ التبريراتِ …
فوقَ الرُّكام…
لكنَّ الواقعَ …
لا يختفي حينَ لا نراه،
ولا يتقلَّص …
لأنَّنا تجاهَلناه…
الحقيقةُ …
لا تحتاجُ شُهودًا،
ولا تطلُبُ تصويتًا،
ولا تنتظِرُ إذنًا …
لكي تكون…
هيَ هناك،
ثقيلةٌ كالحجرِ في الصدر،
واضحةٌ كجرحٍ قديم،
تطرُقُ الجُدرانَ من الداخل،
وتتسلَّلُ …
من شُقوقِ الإنكار،
ومن ثقوبِ الخطابِ المُزيَّف…
كلُّ تزويرٍ مُؤقَّت،
كلُّ قناعٍ مُستعار،
كلُّ خطابٍ مصقول …
أكثرَ ممّا ينبغي،
ينهارُ …
عندما يتعبُ المُمثِّل،
أو ينفدُ الوقت…
يمكنُكَ أن تُعانِد،
أن تُؤجِّلَ الاعتراف،
أن تشتريَ زمنًا إضافيًّا…
بالضجيج،
أو بالتخوين،
أو بالصمتِ المُريح،
لكنَّ الزمنَ …
لا يقفُ في صفِّ الكذبِ طويلًا…
فالزمنُ …
حليفُ الحقيقةِ الصبور،
يمشي ببطءٍ …
لكن بخُطى لا تتراجَع،
يهزمُ الصُّراخَ بالثبات،
ويُفشِلُ التزويرَ …
بمجرَّدِ الحضور…
وفي النِّهاية،
لسنا أحرارًا في إلغاءِ الواقع،
بل فقط …
في تأجيلِ مُواجهته…
وكلُّ مُواجهةٍ مُؤجَّلة …
تعودُ…
أوضح،
وأقسى،
وأكثرَ إصرارًا …
على أن تُقال…
الحقيقةُ لا تُهزَم،
هيَ فقط …
تنتظر…
بقلم: د. عبد الرحيم جاموس
الرياض
6/2/2026 م

“الحقيقة لا تُهزم” للكاتب د. عبد الرحيم جاموس، تعكس عمق الفلسفة الوجودية التي صِيغَت بلغةٍ رصينة ووجدانٍ حي:
الحقيقةُ بينَ سَطوةِ الواقعِ وعجزِ الإنكار:

قراءةٌ نقدية بقلم: د. عادل جوده. العراق.

يُقدم الدكتور عبد الرحيم جاموس في هذا النص مرافعةً فلسفيةً باذخة حول صمود “الحقيقة” في وجه محاولات التزييف البشري. النص ليس مجرد كلمات مرصوفة
بل هو تشريحٌ دقيق لسيكولوجية الهروب من الواقع، وصراع الإنسان مع ذاته عندما تصطدم الأوهام بالحقائق الصلبة.

أولًا:
البناء الدرامي للصراع (الضوء والعتمة)

يبدأ الكاتب نصه بمفارقة ذكية..
فالحقيقة لا تنهزم ليس لأن الضوء “لطيف”، بل لأنه “مؤلم”.
يربط الكاتب بين الضوء والأسئلة غير المريحة، فالكذب ليس مجرد غياب للمعلومة، بل هو رغبة في السلام المؤقت. إن اختيار مفردات مثل (تُسدل الستار، تُهذب الكذبة، تُزور الضوء) يرسم مشهدًا مسرحيًا عبثيًا، يحاول فيه الإنسان تزييف “الديكور” ليقنع نفسه بجمال المسرحية، بينما يظل الأساس مهتزًا.

ثانيًا:
بلاغة الصورة والرمز

استخدم الكاتب صورًا حسيّة قوية لنقل المفاهيم المجردة، ومن أبرزها:

* “ثقيلة كالحجر في الصدر”:
لتحويل الحقيقة من مجرد فكرة إلى ثقل مادي لا يمكن تجاهله.
* “واضحة كجرح قديم”:
استحضار الألم المستمر الذي لا يمحوه الزمن.
* “تتسلل من شقوق الإنكار”:
تصوير الحقيقة ككائن حي ذكي، يجد طريقه دائمًا مهما كانت الجدران عالية.

ثالثًا:
فلسفة الزمن.. الحليف الصبور

في الجزء الأخير من النص، ينتقل الكاتب إلى حتمية النصر. يطرح رؤية عميقة للزمن بوصفه “المصفاة” التي لا تبقي إلا الأصيل. فالتزوير مهما كان “مصقولًا”، يسقط عند “تعب الممثل”، وهي إشارة بارعة إلى أن الكذب جهدٌ مُرهق يتطلب طاقة لا تتوفر للأبد، بينما الحقيقة تكتفي بـ “الحضور” لتهزم “الصراخ”.

رابعًا:
الخاتمة الوجودية

يختم د. جاموس نصه بحقيقة صادمة: نحن لا نملك القدرة على إلغاء الواقع، بل فقط تأجيل المواجهة. هذه الجملة هي ذروة النص حيث يضع القارئ أمام حتمية المواجهة التي تزداد قسوةً كلما طال أمد الهروب.

> خلاصة القراءة:

النص يُعد من السهل الممتنع؛ فهو يحمل لغةً انسيابيةً قريبة من الوجدان، لكنه يحمل عمقًا فكريًا يُحاكم الزيف الاجتماعي والسياسي والشخصي
إنه نصٌّ يتجاوز كونه “كلمات” ليصبح “مرآة” ترفض الانكسار أمام محاولات التشويه.

د/ عادل جودة

تحياتي واحترامي🌹🌹🌹

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com