تناقضات حماس وخطة ترامب بشأن غزة… إلى أين؟!.. بقلم/ د. عبدالرحيم جاموس

في اللحظات المفصلية من تاريخ الصراع الفلسطيني، لا تكشف التصريحات السياسية عن مواقف آنية فحسب، بل تفضح البنية العميقة للخيارات الاستراتيجية.
وفي الحالة الفلسطينية الراهنة، يتجلى هذا بوضوح في التباين بين خطاب حركة حماس وبين المسار الذي ترسمه خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لوقف إطلاق النار في غزة، والمدعومة بقرار مجلس الأمن رقم 2803. فإلى أين يقود هذا التناقض؟
حماس، منذ سيطرتها على قطاع غزة عام 2007، تمارس دورًا مزدوجًا: حركة مقاومة مسلحة، وسلطة أمر واقع تدير شؤون أكثر من مليوني فلسطيني.
هذا الدور المركب ظل مصدر توتر دائم في خطابها وممارساتها.
فبينما تؤكد تمسكها بالسلاح بوصفه “خيارًا استراتيجيًا غير قابل للتفاوض”، تعلن في الوقت ذاته استعدادها للقبول بترتيبات مدنية، كفكرة “لجنة تكنوقراط” لإدارة القطاع.
غير أن خطة ترامب، التي تبناها مجلس الأمن في قراره 2803، تنطلق من منطق مختلف تمامًا.
فهي تربط بين تثبيت وقف إطلاق النار وبين إعادة هيكلة المشهد الأمني والإداري في غزة، بما يشمل ترتيبات رقابية دولية، وإعادة تنظيم الأجهزة الأمنية، وضمان ألا تبقى السيطرة الأمنية بيد فصيل مسلح واحد.
بمعنى آخر، الخطة تسعى إلى تحييد السلاح عن إدارة الحكم، وفصل المسار العسكري عن المدني،
هنا يظهر جوهر التناقض.
تصريحات قيادات حماس التي تؤكد بقاء أجهزتها الأمنية وعدم مغادرتها المشهد، حتى تحت غطاء إداري تكنوقراطي، تعكس تمسكًا بالبنية الأمنية القائمة، وهو ما يتعارض عمليًا مع فلسفة القرار الدولي، الذي يفترض إعادة صياغة البيئة الأمنية بما يسمح بمرحلة انتقالية مستقرة تمهّد لإعادة الإعمار وتسوية سياسية أوسع.
ولا يقتصر تأثير هذا التباين على السياسة فحسب، بل يمتد مباشرة إلى الحياة الإنسانية في غزة.
فالتناقض بين تمسك الحركة بالبنية الأمنية، وبين اشتراطات خطة ترامب، يؤدي إلى:
تأخير المساعدات الإنسانية، إذ يظل المانحون مترددين في ضخ موارد كبيرة ما لم يتم ضمان إدارة آمنة وشفافة للتوزيع.
تأجيل البدء بالإعمار، لأن إعادة بناء القطاع مرتبطة بضمان عدم استخدام البنية التحتية لأغراض عسكرية، ووجود سلطة مدنية واضحة.
استمرار هشاشة الحياة اليومية، بما يشمل الكهرباء، الماء، التعليم، والصحة، نتيجة غياب استقرار سياسي وأمني يتيح للنشاط الاقتصادي والاجتماعي التعافي.
إلى جانب ذلك، قد تتحول هذه التناقضات إلى أداة ضغط متبادل: دوليًا لفرض تنازلات أمنية، وداخليًا لتعزيز خطاب الحركة حول الحصار والتهديدات، مما يضاعف كلفة التأخير على المدنيين.
السؤال إذن: هل نحن أمام تكتيك تفاوضي من الحركة، أم أمام رفض استراتيجي لإعادة تعريف دورها؟
التجارب التاريخية لحركات التحرر تشير إلى أن اختبارها الحقيقي يبدأ حين تحوّل أدواتها العسكرية إلى عنصر ضمن منظومة وطنية أوسع، أو تبقى أسيرة ازدواجية تحد من قدرتها على التحول إلى فاعل سياسي كامل، وفي غزة، تتجسد هذه اللحظة بوضوح.
في النهاية، المسألة ليست مجرد اختلاف في الخطابات، بل صراع استراتيجي يؤثر مباشرة على مستقبل غزة:
هل ستكون مرحلة ما بعد الحرب مدخلاً لتحول سياسي شامل، مع إعادة إعمار وحياة مدنية مستقرة، أم محطة أخرى في دورة صراع بلا نهاية؟
الإجابة تعتمد على قدرة حماس والمجتمع الدولي على حسم العلاقة بين منطق المقاومة ومنطق الدولة. ومن دون هذا الحسم، سيظل وقف إطلاق النار هشًا، والإعمار مؤجلًا، والحياة اليومية رهينة للتناقضات السياسية.

د. عبد الرحيم جاموس
الرياض
12/2/2026

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com