أهمية الخطاب: بين الصدمة والمسؤولية.. عائد زقوت

في لحظات الصدمات الجماعية الكبرى، يتحوّل الخطاب إلى مرآة تكشف أعماق الذات الجماعية. لا يُفسِّر الانفعال المكبوت الحدث فحسب، بل يُزيح الحجاب عن تصوراتنا للمسؤولية والحقيقة، محولًا القول أحيانًا إلى آلية لإدارة الألم بدلاً من مواجهته. يطرح ذلك سؤالًا جوهريًا: متى يظل الخطاب ملتزمًا بالحقيقة، ومتى يصبح ملاذًا من تبعاتها؟

في لحظات الانفعال المكبوت، لا يعمل هذا الانفعال بوصفه قوة تفسير، بل بوصفه آلية كشف؛ فهو لا يُنتج المعنى، بل يُزيح الحجاب عن البُنية العميقة للقول. من منظور نفسي–أخلاقي، تُمثّل هذه اللحظة تراجعًا مؤقتًا لرقابة الذات، حيث يطفو المكبوت اللغوي تعبيرًا عن منظومة قيم لم تُهذّب بما يكفي. هنا لا يعود السؤال: لماذا قيل ما قيل؟ بل: أيّ تصور للذات وللمسؤولية يسمح بأنْ يُقال؟

على هذا المستوى التجريدي، تكتسب تصريحات أسامة حمدان للتلفزيون النرويجي NRK—التي نسب فيها بعض منفّذي هجوم السابع من أكتوبر إلى العمالة لإسرائيل—دلالة أخلاقية تتجاوز محتواها السياسي. فالقول هنا لا يعمل بوصفه تفسيرًا للحدث، بل بوصفه إعادة توزيع للذنب في لحظة اختلال معياري، حيث يُستدعى الاتهام كبديل عن تحمّل الثقل الأخلاقي للواقعة. الانفعال المكبوت، في هذا المعنى، لا يبرّر الخطاب، بل يختبر صدقيته: هل ينبع من التزام بالحقيقة، أم من حاجة نفسية إلى ترميم صورة الذات عبر الإزاحة؟

ومن هنا، لا تعود المساءلة الأخلاقية ترفًا نقديًا، بل شرطًا سابقًا لأي خطاب يدّعي التمثيل أو يتوسّل الشرعية. فالكلمة، ولا سيما حين تصدر عن فاعل عام، تُقاس بقدرتها على الصمود أمام معيار البرهان، وباستعداد قائلها لتحمّل تبعاتها. إنّ تحويل الاتهام إلى أداة لإدارة الصدمة لا يُفسِّر الحدث، بل يضاعف كلفته الأخلاقية، ويقوّض الثقة العامة. لذلك يصبح واجب اللحظة إخضاع الخطاب لمساءلة صارمة تُعيد ربط القول بالحقيقة، والسلطة بحدودها، والانفعال المكبوت بالعقل، حتى لا يتحوّل التدفق المكبوت للانفعال إلى لغة بديلة عن المسؤولية، ولا الادّعاء إلى ملاذ من محاكمتها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com