تعدد الجنسيات في جيش الاحتلال: بين القانون الدولي وأخلاقيات الحرب وتدويل الصراع….. بقلم د.عبدالرحيم جاموس

أثار الكشف الأخير عن أعداد كبيرة من حاملي الجنسيات الأجنبية الذين يخدمون في صفوف الجيش الإسرائيلي ويشاركون في العمليات العسكرية في غزة، والذين زاد عددهم على عشرات الالوف ، نقاشًا سياسيًا وقانونيًا وأخلاقيًا عميقًا يتجاوز حدود الأرقام.
فحين يظهر أن آلاف المقاتلين يحملون جنسيات من الولايات المتحدة وفرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة وروسيا واكرانيا وغيرها، فإن السؤال لا يعود متعلقًا فقط بهوية هؤلاء الأفراد، بل بطبيعة الصراع ذاته: هل ما يجري كن صراع شأن داخلي لدولة، أم نزاع بات يحمل أبعادًا دولية واضحة؟
من الناحية القانونية، يجب التمييز بين فئتين: مزدوجو الجنسية الذين يُعدّون مواطنين إسرائيليين ويخضعون لقانون الخدمة العسكرية، والمتطوعون الأجانب الذين التحقوا بالخدمة دون روابط مواطنة كاملة.
الفئة الأولى تتحرك ضمن إطار قانوني إسرائيلي داخلي، لكن ذلك لا يعفيها من الالتزام بالقانون الدولي الإنساني.
أما الفئة الثانية فتثير تساؤلات إضافية حول مدى سماح قوانين دولهم الأصلية بالانخراط في جيوش أجنبية، وما إذا كان ذلك يستوجب إذنًا رسميًا أو يعرّضهم للمساءلة.
القانون الدولي واضح في نقطة أساسية: المسؤولية الجنائية عن جرائم الحرب فردية، أي شخص، بغض النظر عن جنسيته، يمكن أن يُحاسب إذا ثبت تورطه في انتهاكات جسيمة مثل استهداف المدنيين أو التدمير غير المتناسب أو العقاب الجماعي.
وتمنح بعض الدول لنفسها صلاحية “الولاية القضائية العالمية”، بما يتيح لها ملاحقة مرتكبي جرائم حرب حتى إن وقعت خارج أراضيها.
كما أن اختصاص المحكمة الجنائية الدولية قد يشمل أفعالًا تقع ضمن نطاق التحقيق المفتوح بشأن الوضع في الأراضي الفلسطينية المحتلة .
لكن الإشكالية الأعمق ليست قانونية فحسب، بل سياسية وأخلاقية.
مشاركة آلاف من مواطني دول غربية في العمليات العسكرية تعني عمليًا تدويلًا بشريًا للنزاع.
صحيح أن هؤلاء لا يمثلون رسميًا حكوماتهم، إلا أن وجودهم المكثف يخلق انطباعًا عامًا بأن الصراع لم يعد ثنائيًا بين شعب واقع تحت الاحتلال وقوة قائمة بالاحتلال، بل بات يتداخل فيه عنصر عابر للحدود. وهذا ينعكس بدوره على صورة تلك الدول، خاصة إذا كانت تعلن التزامها بحماية حقوق الإنسان ودعم القانون الدولي.
أخلاقيًا، تزداد خطورة الظاهرة حين تترافق مع اتهامات بوقوع انتهاكات جسيمة في غزة والضفة الغربية.
فالمعيار الأخلاقي لا يتوقف عند مشروعية الانخراط في جيش أجنبي، بل يمتد إلى طبيعة الأفعال المرتكبة.
إن كان الصراع يدور في سياق احتلال طويل الأمد، فإن حساسية المشاركة فيه تصبح مضاعفة، لأن المقاتل الأجنبي لا يتحرك في فراغ سياسي، بل ضمن بيئة نزاع تُعد من أكثر القضايا تعقيدًا وحساسية في النظام الدولي المعاصر.
على مستوى التأثير في الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي، تعمّق هذه الظاهرة شعور الفلسطينيين بأن المواجهة غير متكافئة، وأنها تتجاوز ميزان القوة المحلي إلى شبكة دعم بشري وسياسي أوسع.
كما قد تدفع قطاعات شعبية وقانونية في الدول المعنية إلى المطالبة بالتحقيق أو فرض قيود على مواطنيها، ما يضيف بُعدًا جديدًا للضغط السياسي والدبلوماسي.
في المحصلة، لا يكفي النظر إلى الأرقام بوصفها معطيات إحصائية.
إنها مؤشر على تحوّل نوعي في طبيعة النزاع، وعلى تداخل القانون بالسياسة بالأخلاق.
فإذا كانت المسؤولية الجنائية فردية، فإن المسؤولية الأخلاقية والسياسية أوسع نطاقًا.
والسؤال المفتوح اليوم ليس فقط: هل سيُحاسَب من يثبت تورطه في جرائم؟ بل أيضًا: كيف سيؤثر هذا التشابك الدولي في مسار الصراع ومستقبل العدالة والسلام في فلسطين؟
إن الدول التي ينتسب اليها هؤلاء الجنود مزدوجو الجنسية وغيرهم تبقى قائمة من الناحية السياسية والأخلاقية وتفرض عليها اتخاذ مواقف واضحة ومحددة من هذه المشاركة في الحرب على غزة وعلى الشعب الفلسطيني في الأراضي المحتلة ، والعمل وعلى محاسبتهم وفق قوانينها ، خاصة إذا أثبتت الوقائع ارتكابهم أو مشاركتهم في أعمال ترتقي إلى جرائم الحرب الإسرائيلية المرتكبة ، وما يخالف قواعد القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية بهذا الشأن، ولذا لا بد من فتح تحقيقات بهذا الشأن .
د. عبدالرحيم جاموس
الرياض
15_فبراير _ 2026 م

[ تعدد الجنسيات في جيش الاحتلال]
مقالة الدكتور عبد الرحيم جاموس تتناول قضية من أعقد وأخطر ملفات الصراع الراهن وهي “عولمة” المشاركة العسكرية في صفوف جيش الاحتلال.
النص لا يقدم مجرد سرد إحصائي، بل يفكك الأبعاد القانونية والسياسية التي تجعل من وجود “عشرات الآلاف” من المقاتلين مزدوجي الجنسية لغماً ينفجر في وجه مفهوم “الدولة” و”المواطنة” و”العدالة الدولية”.

إليك قراءة تحليلية لهذا الطرح المركز

بقلم: د. عادل جوده. العراق

١ – التكييف القانوني: من “الخدمة” إلى “المساءلة

يضع الكاتب يده على ثغرة قانونية وحقوقية كبرى؛ فبينما تحاول إسرائيل شرعنة هؤلاء المقاتلين تحت غطاء “قانون الخدمة العسكرية” للمجنسين، يذكّرنا الدكتور جاموس بأن القانون الدولي الإنساني يسمو فوق التشريعات المحلية.
المسؤولية الفردية: التأكيد على أن الجنسية لا تمنح حصانة ضد “جرائم الحرب”.
الولاية القضائية العالمية: الإشارة الهامة لإمكانية ملاحقة هؤلاء في دولهم الأصلية (فرنسا، بريطانيا، ألمانيا…)، مما يضع تلك الدول أمام اختبار حقيقي لمصداقية قوانينها.

٢- تدويل الصراع “بشرياً”

هذا هو الملمح الأذكى في المقال؛ حيث يرى الكاتب أن انخراط مواطنين من قوى عظمى (أمريكا، روسيا، دول أوروبا) يحول الصراع من مواجهة بين “صاحب أرض وقوة احتلال” إلى اشتباك دولي غير رسمي.
هذا التواجد يكسر العزلة المفترضة للجيش المعتدي ويمنحه “عمقاً بشرياً” دولياً.
يخلق إحراجاً سياسياً للدول التي تنادي بحقوق الإنسان بينما يشارك مواطنوها في عمليات توصف دولياً بأنها “إبادة” أو “عقاب جماعي”.

٣- البعد الأخلاقي واختلال الموازين

يرسم المقال صورة مؤلمة لعدم التكافؤ؛ فالفلسطيني لا يواجه آلة عسكرية فحسب، بل يواجه منظومة “دعم بشري عابر للحدود”.
التساؤل الأخلاقي:
كيف يمكن لمواطن يعيش في ديمقراطية غربية أن يشارك في تنكيل بشعب تحت الاحتلال؟ هذا التناقض هو ما يراه الكاتب وقوداً جديداً للضغط الشعبي العالمي.

٤- الرسالة السياسية للدول الأم

يختتم الدكتور جاموس مقاله بوضع الكرة في مرمى العواصم الكبرى. الصمت على مشاركة المواطنين ليس “حياداً”، بل هو تواطؤ ضمني.
المطالبة بفتح تحقيقات وطنية هي السبيل الوحيد لفك هذا التشابك غير القانوني.

الخلاصة

المقال يمثل صرخة قانونية بليغة، كُتبت بلغة رصينة تبتعد عن الإنشائية وتقترب من التحليل الاستراتيجي. هو نص يوثق لمرحلة بات فيها “المقاتل الأجنبي” جزءاً من أداة القمع، مما يستوجب تحركاً حقوقياً دولياً يتجاوز التنديد إلى الملاحقة القضائية.

تحياتي واحترامي 🌹🌺🌸🏵️✨

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com