الاعتداء على الأسرى الفلسطينيين: جريمة دولية تستوجب مساءلة عاجلة.. بقلم: المحامي علي أبو حبلة

يشكّل الاعتداء على الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين خرقًا فاضحًا لقواعد القانون الدولي الإنساني، وانتهاكًا جسيمًا لاتفاقيات جنيف الثالثة والرابعة، اللتين تُلزمان دولة الاحتلال بضمان الحماية الكاملة للأسرى، وصون كرامتهم الإنسانية، وحظر تعذيبهم أو تهديدهم أو إخضاعهم لأي معاملة قاسية أو لا إنسانية أو مهينة، دون استثناء أو تبرير.

في هذا السياق، تكتسب الخطوات التي أقدم عليها وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير دلالات قانونية وسياسية خطيرة، بعد اقتحامه زنازين الأسرى في سجن عوفر قرب رام الله، برفقة مسؤولي مصلحة السجون الإسرائيلية. وقد وثّقت وسائل إعلام إسرائيلية مشاهد قمع واعتداءات مباشرة بحق الأسرى، شملت إطلاق قنابل الغاز والصوت داخل الزنازين، وتوجيه السلاح نحوهم، وتهديدهم قبيل حلول شهر رمضان المبارك، في سلوك لا يمكن وصفه إلا باعتباره انتهاكًا مركّبًا للقانون الدولي ولأبسط معايير الإنسانية.

إن التهديد العلني للأسرى، والتفاخر بتشديد ظروف احتجازهم، والتلويح بإقرار وتنفيذ أحكام الإعدام بحقهم، يشكّل تحريضًا مباشرًا على ارتكاب جرائم محظورة دوليًا، ويقوّض مبدأ المعاملة الإنسانية الواجبة للأشخاص المحميين. فالقانون الدولي الإنساني يحظر بشكل قاطع العقوبات القاسية، ويمنع استخدام القوة أو الترهيب كوسيلة لإدارة السجون أو ضبط المحتجزين.

وتتعمق خطورة المشهد مع ما كشفه تقرير صادر في يناير/كانون الثاني 2026 عن مركز المعلومات الإسرائيلي لحقوق الإنسان بتسيلم، الذي أكد أن السجون ومراكز الاحتجاز الإسرائيلية تحولت إلى “شبكة معسكرات تعذيب ممنهجة”، في إطار سياسة رسمية تشمل التنكيل الجسدي والنفسي، والتجويع، والإهمال الطبي، والعزل الكامل عن العالم الخارجي. ووفق التقرير، استُشهد عشرات الأسرى الفلسطينيين داخل السجون منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، إضافة إلى معتقلين قضوا أثناء التحقيق لدى جهاز الأمن الداخلي الشاباك، ما يرقى إلى مستوى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية لا تسقط بالتقادم.

ولا تقتصر المسؤولية القانونية والأخلاقية على المجتمع الدولي فحسب، بل تمتد أيضًا إلى منظمات حقوق الإنسان الإسرائيلية، التي يقع على عاتقها واجب مضاعف في هذه المرحلة. إذ يُنتظر من هذه المنظمات، وفي مقدمتها “بتسيلم”، تكثيف تحركها عبر القنوات الإسرائيلية الرسمية، وتقديم التماسات عاجلة إلى المحاكم الإسرائيلية، بما فيها المحكمة العليا، لوضع حدود قانونية واضحة لسياسات التعذيب، والتهديد، والممارسات اللاإنسانية بحق الأسرى الفلسطينيين، والتي تخالف ليس فقط القانون الدولي، بل حتى القواعد القانونية المعلنة داخل إسرائيل نفسها.

إن فشل القضاء الإسرائيلي في وقف هذه الانتهاكات، أو تبريرها بذرائع أمنية، لا يعفي دولة الاحتلال من مسؤوليتها الدولية، بل يعزز الحاجة إلى تفعيل آليات المساءلة الخارجية. وهنا تبرز ضرورة تحرك اللجنة الدولية للصليب الأحمر بصورة عاجلة، للقيام بواجبها في حماية الأسرى، وضمان زيارات رقابية فعّالة، والضغط من أجل وقف سياسات التعذيب والتجويع، وتأمين الرعاية الطبية اللازمة.

كما يتوجب على مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة عقد جلسة طارئة، وفتح تحقيق دولي مستقل في الجرائم المرتكبة بحق الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين، ومساءلة المسؤولين عنها سياسيًا وجنائيًا، وفق قواعد القانون الدولي ومبدأ عدم الإفلات من العقاب.

إن قضية الأسرى ليست ملفًا إنسانيًا فحسب، بل هي اختبار حقيقي لهيبة القانون الدولي ولمصداقية المنظومة الحقوقية العالمية. وأي صمت أو تواطؤ إزاء هذه الجرائم يفتح الباب أمام مزيد من الانتهاكات، ويقوّض أسس العدالة، ويهدد السلم والأمن في المنطقة بأسرها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com