بين ضجيج الشعارات ومسؤولية القرار: قراءة في إدارة الشأن الوطني الفلسطيني.. المحامي علي أبو حبلة

في ظل التحولات المتسارعة التي تشهدها المنطقة، وما يرافقها من تعقيدات سياسية وأمنية واقتصادية، يبرز في الساحة الفلسطينية – كما في غيرها من الساحات العربية – جدلٌ متجدد حول مفهوم الوطنية وحدودها، وحول طبيعة الموقف السياسي بين الخطاب المرتفع وإدارة القرار الواقعي.

ليس كل صوت عالٍ يعكس بالضرورة عمقًا في الرؤية، ولا كل موقف حادٍّ يُترجم إلى سياسة قابلة للتنفيذ. فإدارة الشأن العام، لا سيما في سياق شعب ما زال يرزح تحت الاحتلال، هي عملية شديدة الحساسية، تتطلب موازنة دقيقة بين الثوابت الوطنية من جهة، ومتطلبات الواقع الإقليمي والدولي من جهة أخرى.

لقد أثبتت التجربة الفلسطينية عبر عقود طويلة أن العمل الوطني لا يُختزل في العبارات، مهما كانت بلاغتها، بل يتجسد في القدرة على اتخاذ القرار في اللحظة المناسبة، وتحمل تبعاته السياسية والشعبية، وأحيانًا الشخصية. فالسياسة ليست ساحة للمزايدات، بل حقلًا للتقدير الاستراتيجي الذي يراعي مصالح الشعب العليا ويستشرف مآلات الخطوات قبل الإقدام عليها.

بين النقد والمزايدة اذ لا يمكن لأي تجربة سياسية أن تنضج دون نقد موضوعي. فالنقد المسؤول يُعدّ ضرورة لتصويب المسار وتعزيز الشفافية وترسيخ ثقافة المساءلة. غير أن الفارق كبير بين النقد الذي يستند إلى قراءة معمقة للوقائع والمعطيات، وبين خطاب المزايدة الذي يُبسط التعقيدات ويُحمّل القرارات أكثر مما تحتمل، أو يُقاربها من زاوية انفعالية لا تأخذ في الاعتبار شبكة التحديات المتداخلة.

وفي الحالة الفلسطينية تحديدًا، فإن حجم الضغوط السياسية والاقتصادية، وتعقيدات المشهد الإقليمي، وتباين مواقف القوى الدولية، كلها عوامل تجعل من أي قرار سياسي نتاجًا لمعادلة دقيقة، لا خيارًا أحادي البعد. ومن هنا، فإن تقييم الأداء الوطني ينبغي أن ينطلق من فهم السياق لا من اجتزاء العناوين.

إدارة الصراع في بيئة إقليمية مضطربة خاصة وأن المنطقة تمر بمرحلة إعادة تشكيل موازين القوى، في ظل أزمات ممتدة وحروب مفتوحة وتبدلات في أولويات الفاعلين الدوليين. وفي هذا الإطار، تبقى القضية الفلسطينية جزءًا من معادلة إقليمية أوسع، تتأثر بها كما تؤثر فيها.

إن الحفاظ على الحقوق الوطنية المشروعة، وفي مقدمتها حق تقرير المصير وإقامة الدولة المستقلة وفق قرارات الشرعية الدولية، يتطلب أدوات متعددة: دبلوماسية وقانونية وشعبية. ولا يتناقض التمسك بالثوابت مع اعتماد مقاربات سياسية مرنة تتيح تعظيم المكاسب الممكنة وتقليل الخسائر، ضمن بيئة دولية معقدة.

السياسة، في جوهرها، ليست اندفاعًا نحو المثاليات، بل إدارة متأنية للواقع بهدف تغييره تدريجيًا لصالح المصلحة الوطنية. ومن هنا، فإن تقييم الخيارات ينبغي أن يكون على أساس نتائجها الاستراتيجية لا على وقعها الإعلامي.

الحاجة إلى خطاب جامع ففي لحظات الأزمات، تزداد الحاجة إلى خطاب وطني جامع يعزز الثقة ويحصّن الجبهة الداخلية. فالانقسام أو تبادل الاتهامات لا يخدمان سوى إضعاف الموقف الوطني. إن التعدد في الآراء ظاهرة صحية، لكن شرطه أن يبقى ضمن إطار الاحترام المتبادل والإدراك بأن الهدف النهائي واحد، مهما اختلفت الوسائل.

إن صون المشروع الوطني الفلسطيني يتطلب شراكة سياسية حقيقية، ورؤية استراتيجية تستوعب المتغيرات، وتُبقي البوصلة متجهة نحو تحقيق الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، بعيدًا عن الانفعال أو التسرع.

ونخلص الى  القول أن الوطن لا يُبنى بضجيج الخطاب، بل برصانة القرار. ولا تُصان قضاياه بتبادل الاتهامات، بل بتحمل المسؤولية والعمل المؤسسي المشترك.

إن المرحلة الراهنة تفرض تغليب لغة العقل والحكمة، وتعزيز مناخ الثقة، وتكريس ثقافة الحوار، بما يخدم صمود الشعب الفلسطيني ويحفظ حقوقه في إطار القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية.

فالوطن، في نهاية المطاف، مسؤولية جماعية، تُدار بتوازن بين المبدأ والواقع، وبين الحلم الممكن والخطوة المحسوبة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com