شهر رمضان وإيقاظ الأمة من سباتها.. د/ كاظم ناصر

شهر رمضان هو الشهر التاسع في التقويم الهجري، ويعتبر في الثقافة الإسلامية من أكثر الشهور الهجرية قداسة بسبب نزول القران الكريم فيه وحدوث ليلة القدر التي تحدث في إحدى لياليه العشر الأخيرة، ولكونه الركن الرابع من أركان الإسلام، وشهر التوبة وتكثيف العبادة والأعمال الخيرية والتقارب الاجتماعي، والتوعية بواجب المسلم في التمسك بالقيم الأخلاقية والسلوكيات الحميدة، والدفاع عن وطنه وكرامة أمته، وقول الصدق ومحاربة النفاق والكذب والظلم، والتصدي للظالمين حكاما ومحكومين، والدفاع عن قيم العدل والأمانة والتراحم، واستعمال العقل والمجادلة بالتي هي أحسن.
ولهذا يستقبل المسلمون هذا الشهر الفضيل بحفاوة بالغة، ويظهرون حرصهم على الصوم، وممارسة الطقوس الدينية والعبادات، ومساعدة الفقراء لتقربهم من الله وغفرانه؛ لكنهم لا يفعلون شيئا للتعامل مع واقعهم السياسي الكارثي ومواجهة حكامهم الطغاة وأعداء الأمة، خاصة دولة الاحتلال والولايات المتحدة الأمريكية. فلماذا لا يساهم سهر الصيام بقدسيته واستحقاقاته في إيقاظ الأمة من سباتها؟ وهل الإسلام يبيح استسلام الأمة لأعدائها والاستكانة في مواجهة الصهاينة والتخلي عن المسجد الأقصى أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين؟
الإسلام يرفض الذل والهوان والاستسلام لأعداء الأمة ويحث على التصدي لهم بكل وسائل القوة المتاحة. لكن الملاحظ هو ان قيم شهر رمضان الدينية والأخلاقية لم تساهم في تحريك الأمة وإيقاظها من سباتها خلال السنوات الماضية، والدليل على ذلك هو موقف العرب والمسلمين الاستسلامي السلبي المشين من الحرب التي تشنها دولة الاحتلال على غزة، وتغولها في التوسع الاستيطاني وتهويد الضفة الغربية، واعتداءاتها المتكررة على عدد من الدول العربية، والتدخل الأمريكي السافر في الشؤون الداخلية في عدد من الدول العربية والإسلامية.
هناك العديد من الأسباب التي أدت إلى عدم تأثير قيم شهر رمضان في نهضة معظم الدول الإسلامية، خاصة العربية منها، من أهمها أن الأنظمة السياسية العربية والسلطات الدينية المرتبطة بها والداعمة لها حولت الشهر الفضيل إلى طقوس دينية ظاهرية تبعده عن مقاصده الروحية والسياسية والاجتماعية وعن محتواه كشهر للتغيير والدفاع عن مقدرات الأمة، وإلى ممارسات تقتصر على الامتناع عن الأكل والشرب، وعادات اجتماعية واستهلاكية كتقديم الولائم العالية التكلفة والإنفاق المفرط، والسهر المبالغ فيه الذي يستمر حتى ساعات الفجر في العديد من المدن الرئيسية العربية، وعملت على اضاعة جوهره وأهدافه التي من المفترض أن تساهم في نبذ الخلافات البينية وتوحيد العرب والمسلمين بدلا من أن يكون مناسبة للتنازع بينهم، وعززت انفصال العبادة وخطب الجمعة عن واقع الأمة السياسي والاقتصادي والاجتماعي بطريقة تتناقض مع الوعي الروحي والسلوك الاجتماعي، وتخدم استمرار إطاعة الشعوب لحكامهم، وإذعانها لإرادتهم، وإشغالها بقضايا فقهية ومذهبية ثانوية لا علاقة لها بواقعهم المأساوي.
وتماشيا مع تسخير شهر رمضان لخدمة الأنظمة العربية وإبعاده عن قضايا الامة المصيرية، يقوم كبار رجال الدين ووزارات الأوقاف في الأقطار العربية بالتحكم في النشاطات الدينية في المساجد طيلة العام، خاصة في شهر رمضان، خوفا من أن تؤدي تلك التجمعات إلى احتجاجات أو مظاهرات ضد الأنظمة؛ فعلى سبيل المثال لا الحصر، تقدم وزارات الأوقاف في الدول العربية نسخا مكتوبة جاهزة للأئمة المساجد ليقرؤوها كخطب في صلاة الجمعة، ووجهت وزارة الشؤون الدينية في دولة عربية لها أهميتها الدينية الخاصة خطباء المساجد للحديث عن فضائل شهر رمضان لهذا العام من أبرزها بيان فضله ونفحاته الايمانية، وما اختصه الله به من ” فتح أبواب الجنة وإغلاق أبواب النار، وتصفيد الشياطين، والحث على التوبة الصادقة، والاجتهاد في الطاعات.” أي طاعة أولياء الأمر الذين يتاجرون بقضايا الأمة وفي مقدمتها قضية فلسطين، ويبطشون بشعوبهم ويحرمونها من أبسط حقوقها، ويتعاملون مع دولة الاحتلال والولايات المتحدة بخنوع وإذلال غير مسبوق في تاريخ أمتنا العربية المنكوبة.
ما أريد قوله هو أن خطب الجمعة خلال العام، خاصة في شهر رمضان، يجب أن تكون سيفا يرفع في وجه الظلم والفساد، وصرخة مدوية ضد التخاذل والاستسلام لأعداء الأمة، لكن الأنظمة العربية تستغل حتى ها الشهر الفضيل لخداع الشعوب، وتخديرها، وإبعادها عن التفكير بواقعها السياسي والاقتصادي المرير، والاخطار التي تعصف بحاضرها، وتهدد مستقبلها ووجودها!



