بيان الدول العربية والإسلامية: رسالة قانونية وسياسية في وجه شرعنة الضم.. بقلم: المحامي علي أبو حبلة

في توقيت إقليمي بالغ الحساسية، صدر بيان مشترك عن أربع عشرة دولة عربية وإسلامية يدين تصريحات السفير الأمريكي لدى إسرائيل، والتي أشار فيها إلى قبول ممارسة إسرائيل سيادتها على أراضٍ تعود لدول عربية، بما في ذلك الضفة الغربية والقدس . هذا البيان لم يكن مجرد رد فعل دبلوماسي، بل جاء كرسالة سياسية وقانونية واضحة تعيد تثبيت الثوابت العربية والإسلامية في مواجهة أي محاولة لإعادة تعريف قواعد الصراع خارج إطار الشرعية الدولية.

لا سيادة على أرض محتلة والقانون الدولي واضح وصريح في هذه المسألة. فمبدأ “عدم جواز الاستيلاء على الأراضي بالقوة” يُعد من المبادئ الآمرة في النظام الدولي المعاصر، وقد كُرّس في قرار مجلس الأمن 242 لعام 1967، ثم أُعيد التأكيد عليه في القرار 338 لعام 1973، وصولاً إلى القرار 2334 لعام 2016 الذي اعتبر الاستيطان في الأرض الفلسطينية المحتلة غير شرعي ولا يترتب عليه أي أثر قانوني.

كما أن الرأي الاستشاري الصادر عن محكمة العدل الدولية عام 2004 بشأن الجدار العازل أكد بوضوح أن الأراضي الفلسطينية، بما فيها القدس الشرقية، أراضٍ محتلة، وفي 19 تموز/يوليو 2024 أصدرت محكمة العدل الدولية رأيًا استشاريًا اعتبرت فيه أن استمرار وجود إسرائيل في الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ 1967 غير قانوني ويجب إنهاؤه بأسرع وقت.

ورغم أن الرأي استشاري وغير ملزم مباشرة، إلا أنه يُعدّ مرجعية قانونية دولية قوية تعزز الموقف الفلسطيني والعربي والاسلامي  وتزيد من الضغط السياسي والدبلوماسي على إسرائيل.

وعليه، فإن أي تصريح يُفهم منه إضفاء شرعية على ضم الضفة الغربية أو ممارسة سيادة إسرائيلية عليها، لا يمثل مجرد رأي سياسي، بل يتعارض مع قواعد قانونية مستقرة وملزمة للمجتمع الدولي.

تناقض في الرسائل الأمريكية وسياسة الكيل بمكيالين اذ وفق البيان الصادر عن السفير الامريكي في اسرائيل  أشار بوضوح إلى تعارض هذه التصريحات مع الرؤية التي طرحها الرئيس الأمريكي بشأن إنهاء النزاع في غزة ومع الجهود الرامية إلى التوصل إلى تسوية شاملة. هذا التناقض يضعف صدقية الوساطة الأمريكية، ويثير تساؤلات حول اتساق الموقف الرسمي مع ما يصدر عن ممثليه.

إن أي حديث عن شرعنة الضم أو القبول بالسيادة الإسرائيلية على الضفة الغربية ينسف عملياً الأساس الذي قامت عليه فكرة حل الدولتين، ويُضعف فرص إعادة إطلاق مسار سياسي جاد، خاصة في ظل واقع ميداني هش وتصعيد مستمر.

بيان الدول الاربعة عشر أكد على  وحدة الأرض الفلسطينية…واعتبرها خط أحمر وشدد البيان على رفض أي محاولات لضم الضفة الغربية أو فصلها عن قطاع غزة. وهذه ليست مسألة شكلية، بل جوهر القضية الفلسطينية وأساس أي تسوية عادلة. فالتعامل مع غزة بمعزل عن الضفة، أو تكريس وقائع أحادية في الضفة بمعزل عن أي اتفاق نهائي، يعني عملياً تقويض إمكانية قيام دولة فلسطينية مستقلة متصلة جغرافياً وقابلة للحياة.

إن وحدة الأرض الفلسطينية — الضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية وقطاع غزة — تمثل قاعدة قانونية وسياسية لا يجوز المساس بها، وأي محاولة لإعادة هندسة الجغرافيا السياسية بالقوة ستؤدي إلى مزيد من التوتر وعدم الاستقرار.

تحذير الدول الأربع عشرة من أن هذه التصريحات تمثل تهديداً لأمن المنطقة واستقرارها ليس مبالغة سياسية، بل قراءة واقعية. فالمنطقة تقف على مفترق طرق، وأي انزلاق نحو شرعنة الضم سيعيد إنتاج أجواء الصراع المفتوح، ويضعف مسارات التهدئة، ويغذي خطاب التطرف، ويحرج الدول الساعية إلى تحقيق توازن دقيق بين متطلبات الاستقرار ومواقفها المبدئية.

كما أن تجاهل الشرعية الدولية يفتح الباب أمام سابقة خطيرة في النظام الإقليمي، قد تمتد آثارها إلى نزاعات أخرى في المنطقة.

يبقى التحدي الحقيقي في ترجمة هذا البيان إلى تحرك دبلوماسي منسق، سواء عبر الأمم المتحدة أو عبر الأطر القانونية الدولية، أو من خلال بلورة موقف عربي وإسلامي موحد يربط بين الخطاب السياسي وأدوات الضغط المشروعة.

فالمعركة اليوم ليست معركة بيانات، بل معركة تثبيت قواعد القانون الدولي في مواجهة محاولات فرض الأمر الواقع.

خاتمة

إن البيان الصادر عن الدول العربية والإسلامية يمثل إعادة تأكيد على مبدأ ثابت: لا سيادة لإسرائيل على الأرض الفلسطينية المحتلة، ولا شرعية لأي ضم أو إجراءات أحادية تمس وحدة الضفة الغربية وقطاع غزة.

وفي ظل التطورات المتسارعة في غزة والضفة الغربية والقدس ، فإن الحفاظ على المرجعية القانونية الدولية، وصون وحدة الأرض الفلسطينية، يشكلان حجر الزاوية لأي أفق سياسي مستقبلي. أما القفز فوق القانون، فلن يؤدي إلا إلى تعميق الأزمة وتوسيع دوائر عدم الاستقرار في منطقة لا تحتمل مزيداً من الانفجار.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com