الحقيقة… بقلم/ إحسان بدرة

غزة لم تدمر بحرب الابادة التي شنت عليها فهذا جزء من الحقيقة والتي لا يمكن انكارها … ولكن الحقيقة الكاملة للمشهد الفلسطيني وخاصة في قطاع غزة البقعة الجغرافية الصغيرة والكبيرة بإدارة شعبها الصامد و الأكثر ازعاجا أن غزة دمرت لأن بينة الحكم اخنزلت المجتمع في وظيفة عسكرية وحولت الجغرافيا المدنية إلى مسرح دائم للاشتباك …
فحماس منذ سنوات بنت شبكة أنفاق واسعة بوصفها “الذراع الاستراتيجية” والتي توازي اختلال القوة مع إسرائيل وكأنها توازن قوى في الخطاب الداخلي وصورت وروج للانفاق على أنها رمزًا للعبقرية العسكرية، وللقدرة على مفاجأة العدو
والتعويض الحصار …
وهنا السؤال ..
ما موقع المجتمع من هذه الاستراتيجية؟ وأين يقف المدني في معادلة تُدار أساسًا بعقل أمني–عسكري؟
وبناء على هذا الوصف نقول عندما تقام بنية عسكرية تحت أحياء مكتظة و تحت البيوت والمساجد والمدارس والمستشفيات فالأمر هذا ليست مجرد خيار تكتيكي بل يصبح خيارًا سياسيًا–أخلاقيًا.
فتلك المساحة من الأنفاق والتي يفترض أن تكون ملاذًا للمدنيين
تحولت عمليا إلى جزء من ساحة المعركة والتي دفع المدنيين فاتورتها الكبرى وحتى لو كان الاحتلال هو من يضغط على الزناد ويتحمل المسؤولية القانونية عن القصف وإستهداف المدنيين .
فالسلطة الحاكمة هى التي تتحمل مسؤولية موازين تقليل المخاطر
الفصل قدر الإمكان بين المقاتل والمدني، وبناء منظومة حماية حقيقية للناس.
والمشكلة أن غزة لم تدار ككيان مدني له أولويات حياة يومية بل كمنطقة تماس دائمة ومساحة حرب مستدامة
فلم تبى ملاجى عامة ولم تتطور خطط إخلاء ولم يفتح نقاش مجتمعي حول ثمن الخيارات العسكرية ونتائج الحروب والاعتداءات المتكررة على قطاع غزة خلال السنوات الماضية وإلى الآن
وبهذا المنطق والنهج صار المجتمع الغزي بأكمله جزء من المعركة وأن تحمله للثمن أمر بديهي بل واجب وطني . وهنا تكمن المشكلة البنيوية: اختزال الشعب في “حاضنة”واختزال السياسة في سلاح.
فعندما تصبح الانفاق بديلا عن المشروع السياسي وعن الشراكة الوطنية وبديلا عن المحاسبة
يفقد المجتمع موقعه كفاية وهدف ويصبح وسيلة والتي هى في زمن الحرب قابلة للاستهلاك .
وبناء على ما تقدم من قراءة وتحليل للمشهد السياسي والميداني في القطاع. لا يمكن قراءة ما حدث في القطاع معزل عن اختلال ميزان القوى مع إسرائيل ولا عن العقيدة العسكرية الإسرائيلية والتي أثبتت الاستعداد لاستخدام قوة تدميرية واسعة النطاق .
وفي المقابل لا يمكن إعفاء البنية الحاكمة في غزة من سؤال المسؤولية ….
هل كان هناك تقدير واقعي لحجم الرد المتوقع؟؟
هل كانت هناك خطة لحماية السكان؟ أم أن الرهان كان أن الخسارة البشرية، مهما عظمت، ستُستثمر سياسيًا؟
فالحقيقة أخطر من ذلك في هذه المقاربة التي مزقت النسيج والعقد الإجتماعي.
ومن العدل توزيع المخاطر واخضاع القرارات المصيرية للشفافية والمساءلة و حين تختبئ القيادة في بنية محصّنة تحت الأرض، بينما يبقى المدني مكشوفًا فوقها، فإن الإحساس باللاعدالة يتضاعف، حتى لو كان بعض هذا التصور مبالغًا فيه.
الشعور العام بأن حياة الناس لم تكن في مركز الحسابات هو بحد ذاته مؤشر خلل عميق. ومن هذا المنطق يجب إعادة تعريف “المقاومة” بحيث تكون إدارة ضمن المشروع الوطني لا مشروع قائم بذاته يبتلع كل ما حوله.
فالرواية الأسهل تقول :-
بلد دُمّر بفعل عدو متفوق.
الرواية الأصعب تقول:
بلدٌ دُمّر لأن العدو امتلك فائض القوة…
ولأن الداخل امتلك فائض الوهم، فأدار ضعفه بشعارات لا بحسابات، ودفع الناس ثمن الفارق بين الحقيقة والخطاب.
وما بين القوتين، كان الناس هم السقف الذي انهار.
المدنيين هم من دفعوا فاتورة الحرب الكبرى .
وختاما سؤال يطرح نفسه وبقوة
ما طبيعة العلاقة بين السلاح والمجتمع؟ بين القرار العسكري والإرادة الشعبية؟
فإن أي بناء مادي سيبقى هشًا. المطلوب ليس نزع السياسة من الصراع، بل إعادتها إلى مركزها
و أن يعود المدني هو المرجعية، لا التفصيل
صحفي وناشط سياسي



