تحوّل في ميزان القوى وبداية إعادة تشكيل النظام الدولي

قراءة عربية في أطروحة زاك كوبر المنشورة في فورين أفيرز

بقلم المحامي علي أبو حبله

يشهد العالم اليوم تحوّلاً متدرجاً في موازين القوى الدولية، تتقدمه التطورات المتسارعة في منطقة آسيا–المحيط الهادئ. وفي هذا السياق، يقدّم الباحث الأميركي زاك كوبر في مقاله المنشور في فورين أفيرز (21 شباط/فبراير 2026) قراءة نقدية لاستراتيجية “الاستدارة نحو آسيا” التي أطلقتها إدارة باراك أوباما عام 2011، معتبراً أنها أخفقت في تحقيق أهدافها، وأفسحت المجال أمام صعود صيني أكثر ثباتاً وثقة.

هذه الأطروحة لا تتعلق بآسيا وحدها، بل تعكس مؤشراً عميقاً على إعادة تشكيل النظام الدولي، بما يحمله ذلك من تداعيات سياسية واقتصادية واستراتيجية على المنطقة العربية.

إخفاق الركائز… وتآكل المصداقية ،

قامت الاستراتيجية الأميركية على ثلاث ركائز: الأمن، الازدهار الاقتصادي، والحوكمة الرشيدة. غير أن التطبيق العملي – كما يشير كوبر – انحصر في البعد العسكري، فيما تراجعت الأدوات الاقتصادية والسياسية.

انسحاب إدارة دونالد ترامب من اتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادئ شكّل ضربة مباشرة للمصداقية الاقتصادية الأميركية، في حين لم ينجح “الإطار الاقتصادي لمنطقة المحيطين الهندي والهادئ” في ملء الفراغ. أما خطاب الديمقراطية وحقوق الإنسان، فقد تراجع أمام حسابات المصالح والاصطفافات الانتقائية، ما أضعف صورة واشنطن كشريك طويل الأمد.

هكذا برزت ما يُعرف بفجوة ليبمان”: اتساع الهوة بين الالتزامات المعلنة والقدرات الفعلية، وهو ما يهدد مصداقية الردع ويقلق الحلفاء في ظل استراتيجية النفس الطويل أو ما يعرف بالصبر الاستراتيجي التي تمارسها الصين ، في المقابل، لا تسعى بكين إلى صدام عسكري شامل، بل تعتمد استراتيجية تراكمية هادئة تقوم على:

توسيع الاعتماد الاقتصادي الآسيوي عليها.

اختبار حدود الردع الأميركي في بحر الصين الجنوبي ومحيط تايوان.

استثمار الانقسامات السياسية والاقتصادية داخل الولايات المتحدة لتعزيز سردية “الشريك الأكثر استقراراً”.

إنه صعود لا يقوم على الصدمة، بل على التدرّج والتآكل، بما يعيد تشكيل البيئة الإقليمية من دون حرب كبرى.

تطرح هذه  القراءة احتمال انكفاء أميركي إلى “سلسلة الجزر الأولى” (اليابان–تايوان–الفلبين) في محاولة لتثبيت خط دفاع متقدم. غير أن هذا الخيار – وإن بدا عملياً – يعكس انتقال الولايات المتحدة من قوة قائدة للنظام الإقليمي إلى قوة موازنة دفاعية تسعى إلى منع الخسارة أكثر مما تسعى إلى فرض القواعد.

أما الانسحاب الأوسع، فسيعني توسيع المجال الحيوي الصيني في آسيا القارية، مع ما يحمله ذلك من احتمالات سباق تسلح ونقاشات نووية إقليمية.

في القراءة العربية للتحوّل الآسيوي ، فإن ما يجري في آسيا يتجاوز حدوده الجغرافية. فهو يؤكد أن ، الاقتصاد والتكنولوجيا باتا محددين أساسيين للقوة الدولية. والأحادية القطبية تتراجع لصالح تعددية مرنة ، والدول المتوسطة والصغرى تميل إلى “التحوّط” بدل الاصطفاف الحاد.

هذه المعادلة تفرض على الدول العربية تعزيز سياسات التوازن وتنويع الشراكات الدولية، وعدم الارتهان لمحور واحد، مع التركيز على بناء القوة الذاتية اقتصادياً ومؤسسياً.

حيث تتجه معظم دول آسيا اليوم إلى سياسة “التحوّط” (Hedging)، أي الحفاظ على علاقات متوازنة مع واشنطن وبكين في آنٍ معاً. وهي مقاربة براغماتية تقوم على تقليل المخاطر وتعظيم الخيارات، لا على الالتزام الصارم بمعسكر واحد.

هذه البراغماتية تعكس واقع عالم يتغير بسرعة، حيث لم يعد الاصطفاف الحاد يحقق المصالح الوطنية بالضرورة، بل قد يقيّد هامش المناورة.

وخلاصة القول إن ما نشهده في آسيا ليس انسحاباً أميركياً كاملاً، بل إعادة تعريف للدور. غير أن غياب استراتيجية اقتصادية وسياسية متكاملة يجعل الردع العسكري وحده غير كافٍ.

الصين تتقدم بثقة عبر تراكم النفوذ، والولايات المتحدة تحاول تثبيت خطوط دفاعها، فيما تختار معظم الدول الآسيوية التحوّط بدلاً من الاصطفاف.

نحن أمام مرحلة انتقالية في ميزان القوى الدولي، قد لا تُعلن عن “نظام صيني” صريح، لكنها تميل تدريجياً لصالح بكين. وفي عالم يتجه نحو تعددية المحاور، ستتحدد مكانة الدول بقدرتها على قراءة التحولات مبكراً، وبناء استراتيجيات واقعية تحمي مصالحها وسط بيئة دولية متغيرة.

والسؤال المفتوح: هل ستعيد واشنطن بناء استراتيجيتها الشاملة، أم أن آسيا ستكون المسرح الأول لولادة نظام دولي مختلف المعالم في ظل الصراع مع ايران والنتائج والتداعيات التي تشهدها المنطقة ؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com