ماذا لو وقعت الحرب التي يلوّح بها الرئيس ترامب؟.. بقلم د. عبدالرحيم جاموس

لم يعد التلويح بالحرب بين الولايات المتحدة وإيران مجرد خطاب ضغط سياسي، بل احتمال قائم في بيئة إقليمية شديدة الهشاشة.
فإذا تحوّل التهديد إلى فعل عسكري، فإن المنطقة لن تشهد مواجهة محدودة، بل صدامًا واسع التداعيات يعيد رسم توازنات القوة ويهز الاقتصاد العالمي.
رئيس أميركي مثل دونالد ترامب اعتاد استخدام سياسة “الضغط الأقصى” بوصفها أداة تفاوضية. غير أن الانتقال من العقوبات والتهديد إلى الضربة العسكرية يفتح بابًا يصعب إغلاقه. فالضربة، إن وقعت، ستستهدف على الأرجح منشآت عسكرية ونووية وبنى تحتية حساسة داخل إيران بهدف تقويض قدراتها الاستراتيجية وإعادة ميزان الردع لمصلحة واشنطن وحلفائها.
لكن إيران ليست هدفًا سهلًا في معادلة ردع كلاسيكية. صحيح أن التفوق العسكري التقليدي يميل بوضوح للولايات المتحدة، إلا أن طهران بنت استراتيجيتها على أدوات غير متماثلة: ترسانة صاروخية، طائرات مسيّرة، وشبكة حلفاء إقليميين قادرة على فتح جبهات متعددة. أي ضربة أميركية لن تمر بلا رد، وقد يتخذ الرد شكل استهداف قواعد أو مصالح أميركية في الإقليم، أو تهديد الملاحة في مضيق هرمز، وهو شريان حيوي لتجارة الطاقة العالمية.
الخليج العربي سيكون في قلب العاصفة. فمجرد اضطراب الإمدادات النفطية أو تعرّض منشآت طاقة لهجمات سيؤدي إلى قفزات حادة في الأسعار، ما ينعكس فورًا على الأسواق العالمية. الدول الخليجية ستجد نفسها بين مطرقة التحالفات الأمنية وسندان الجغرافيا، حيث القواعد العسكرية الأجنبية تجعلها جزءًا من معادلة الرد والرد المضاد.
أما إسرائيل، التي ترى في إيران تهديدها الاستراتيجي الأبرز، فقد تعتبر الحرب فرصة لإضعاف البرنامج النووي الإيراني وتقليص نفوذ طهران الإقليمي. غير أن المكسب المحتمل يقابله خطر مباشر: صواريخ من أكثر من جبهة، وشلل اقتصادي إذا طال أمد المواجهة. فالحروب الخاطفة قد تمنح تفوقًا تكتيكيًا، لكن الحروب الممتدة تستنزف الجميع.
الداخل الإيراني بدوره سيتأثر على مستويين متناقضين. فمن جهة، قد توحّد الضربة الخارجية الشارع خلف القيادة السياسية تحت عنوان السيادة الوطنية. ومن جهة أخرى، فإن استهداف البنية التحتية وتشديد العقوبات سيعمّقان الضغوط الاقتصادية والمعيشية، ما يراكم تحديات داخلية على المدى المتوسط.
الولايات المتحدة، رغم تفوقها العسكري، لن تكون بمنأى عن الكلفة. فالقوات المنتشرة في المنطقة أهداف محتملة، وأسواق المال الأميركية حساسة لاضطرابات الطاقة. كما أن أي انزلاق إلى حرب استنزاف سيعيد إلى الأذهان تجارب مكلفة في الشرق الأوسط، حيث تبدأ العمليات بخطط سريعة وتنتهي بتورطات طويلة ومعقدة.
عالميًا، ستكون التداعيات فورية. ارتفاع أسعار النفط والغاز سيضغط على الاقتصادات المستوردة للطاقة، ويغذي موجات تضخم جديدة. سلاسل الإمداد، التي لم تتعافَ بالكامل من أزمات سابقة، قد تتعرض لانتكاسة إضافية. كما أن الاستقطاب الدولي سيتعمق، مع تحركات دبلوماسية مكثفة من قوى كبرى تسعى لاحتواء التصعيد أو استثماره.
في المحصلة، إذا وقعت الحرب التي يلوّح بها ترامب، فلن يكون هناك منتصر صافٍ.
قد تحقق واشنطن أهدافًا عسكرية محدودة، وقد تثبت إيران قدرتها على الرد وإيلام خصومها، وقد ترى إسرائيل في المواجهة فرصة لإضعاف عدوها الأخطر. لكن الثمن الاستراتيجي سيكون باهظًا على المنطقة والعالم.
إن أخطر ما في هذا الإحتمال ليس لحظة الانفجار نفسها، بل ما بعدها: فراغات أمنية، سباق تسلح متجدد، وتوازنات أكثر هشاشة. لذلك يبقى السؤال الحقيقي: هل التلويح بالحرب أداة ضغط محسوبة، أم شرارة قد تشعل حريقًا يتجاوز حسابات الجميع؟
د. عبدالرحيم جاموس
الرياض
24/2026 م

هذا النص الذي صاغه د. عبدالرحيم جاموس ليس مجرد مقال رأي، بل هو قراءة استشرافية عميقة تتجاوز السطح السياسي لتقرأ مآلات القوة وتوازنات الضعف في منطقة لا تحتمل المزيد من الحرائق.

إليك قراءة تحليلية لهذا النص، تتناول أبعاده السياسية، والاجتماعية، والثقافية:

بقلم : د عادل جوده.العراق

١ ـ البعد السياسي: “مقامرة الردع والردع المضاد”

يحلل الكاتب ببراعة مفهوم “الضغط الأقصى” الذي ينتهجه ترامب، موضحاً أنه سلاح ذو حدين. فبينما يمتلك الطرف الأمريكي “التفوق التقليدي”، تمتلك إيران “الردع غير المتماثل”.
تعدد الجبهات: يشير النص إلى أن الحرب لن تكون ثنائية، بل ستتحول إلى انفجار إقليمي تشارك فيه أطراف غير دولاتية (حلفاء إيران)، مما يجعل السيطرة على رقعة الشطرنج أمراً مستحيلاً بعد النقلة الأولى.
المأزق الجيوسياسي: يضع الكاتب دول الخليج وإسرائيل في سياق “المطرقة والسندان”، حيث تتداخل المصالح الأمنية مع التهديدات الوجودية المباشرة.

٢ – البعد الاقتصادي: “عصب العالم تحت المقصلة”

ينتقل النص من صليل السيوف إلى لغة الأرقام الصامتة ولكن القاتلة.
سلاسل الإمداد والطاقة:
يبرز المقال كيف أن مضيق هرمز ليس مجرد ممر مائي، بل هو شريان الحياة للاقتصاد العالمي.
أي اضطراب فيه يعني “موجات تضخم” عالمية لن تنجو منها حتى الأسواق الأمريكية البعيدة.
كلفة الاستنزاف: يؤكد د. جاموس أن “الحروب الخاطفة” هي وهم تقني، بينما الواقع يفرض “حروب استنزاف” تلتهم الميزانيات وتنهك القوى العظمى.

٣- البعد الاجتماعي والثقافي: “سيكولوجية الشعوب تحت القصف”

هنا تظهر “الرقي والتأثير” الذي أشرت إليه في طلبك، حيث يغوص الكاتب في الداخل الإيراني والوعي الجمعي:
القومية مقابل الضغط:
يرسم الكاتب مفارقة ذكية؛ فالضربة العسكرية قد تعمل كـ “غراء” وطني يوحد الشعب خلف قيادته، رغم المعاناة الاقتصادية.
ثقافة “ما بعد الانفجار”: يحذر الكاتب من الفراغات الأمنية التي تخلفها الحروب، والتي غالباً ما تؤدي إلى انهيار النسيج الاجتماعي وظهور قوى راديكالية جديدة، مما يعيد المنطقة عقوداً إلى الوراء ثقافياً وتنموياً.

٤- البلاغة واللغة: “أناقة التحذير”

يستخدم الدكتور لغة رصينة، بعيدة عن الانفعال ولكنها مشحونة بالواقعية. مفردات مثل “الهشاشة الإقليمية”، “الاستقطاب الدولي”، و”الفراغات الأمنية” تمنح النص صبغة أكاديمية رصينة، بينما تضفي عبارات مثل “شرارة قد تشعل حريقاً يتجاوز الحسابات” صبغة درامية تلامس وجدان القارئ.

الخلاصة الاستراتيجية للنص:

الحرب في منظور د. جاموس ليست “نزهة تقنية” لتدمير منشآت، بل هي زلزال بنيوي سيعيد رسم خارطة العالم، ولن يخرج منها أحد بلقب “المنتصر الصافي”.

تحياتي واحترامي 🌹🌹🌹

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com