الهند بين إرث نهرو وانحياز مودي: مقامرة سياسية على حساب فلسطين …!.. بقلم د.عبدالرحيم جاموس

تصريح رئيس الوزراء الهندي Narendra Modi بأن “الهند تقف مع إسرائيل في هذه اللحظة” لا يمكن اعتباره مجرد تعبير عابر عن تضامن دبلوماسي؛ بل هو إعلان انحياز سياسي واضح في لحظة دامية من تاريخ الصراع، تتعرض فيها الأراضي الفلسطينية، وخاصة قطاع غزة والضفة الغربية، لحرب مدمّرة وانتهاكات جسيمة موثّقة من قبل منظمات دولية عديدة.
هذا الموقف يبدو قطيعة حادة مع الإرث التاريخي للهند التي أسس سياستها الخارجية Jawaharlal Nehru على دعم حركات التحرر الوطني، والوقوف إلى جانب حق الشعوب في تقرير مصيرها. لقد كانت الهند، لعقود، من أبرز المدافعين عن الحقوق الفلسطينية في المحافل الدولية، وواحدة من الأصوات الأخلاقية في العالم النامي.
أما اليوم، فتبدو وكأنها تعيد تموضعها في معسكر القوة، لا في معسكر العدالة.
الانحياز لإسرائيل في هذا التوقيت تحديدًا يطرح إشكالية أخلاقية وقانونية عميقة.
فإسرائيل ليست دولة “مسالمة” كما يحاول البعض تصويرها، بل دولة احتلال تواصل منذ عقود تجاهل قرارات الأمم المتحدة المتعلقة بإنهاء الاحتلال ووقف الاستيطان واحترام قواعد القانون الدولي الإنساني. إن تجاهل هذا السجل، وتقديم دعم سياسي غير مشروط، يعني عمليًا مكافأة من يرفض الالتزام بالشرعية الدولية، وإضعاف منظومة القانون التي يفترض أن تحكم العلاقات بين الدول.
الهند، التي طالما اشتكت من ازدواجية المعايير الدولية، تجد نفسها اليوم تمارس صورة مشابهة من تلك الازدواجية: تدعو إلى احترام سيادة الدول في قضاياها الخاصة، لكنها تغض الطرف عن احتلال عسكري طويل الأمد، وعن حصار جماعي، وعن عمليات عسكرية تطال المدنيين والبنية التحتية.
هذا التناقض لا يمرّ دون أن يترك أثرًا على صورتها الدولية كقوة صاعدة تسعى لتمثيل “الجنوب العالمي”.
لا يمكن فصل هذا التحول عن التقارب الاستراتيجي المتنامي بين نيودلهي وتل أبيب منذ التسعينيات، والذي تعمّق في عهد مودي، خاصة في مجالات التسليح والتكنولوجيا والأمن.
غير أن المصالح العسكرية لا تبرر الاصطفاف السياسي الأعمى.
فالدول الكبرى تُقاس ليس فقط بقدرتها على عقد الصفقات، بل أيضًا بقدرتها على الحفاظ على اتساقها الأخلاقي واحترامها للقانون الدولي.
الأخطر من ذلك أن هذا الموقف قد يُفهم كاصطفاف أيديولوجي، لا مجرد حسابات براغماتية.
وهو ما يعمّق الانطباع بأن الهند تتخلى تدريجيًا عن تقاليدها العلمانية والتعددية في مقاربة القضايا الدولية، لصالح رؤية قومية ضيقة ترى في إسرائيل نموذجًا أمنيًا يُحتذى به، متجاهلة الفارق الجوهري بين مقاومة الاحتلال والإرهاب.
إن المقامرة لا تقتصر على البعد القيمي، بل تمتد إلى المصالح الاستراتيجية ذاتها.
فالهند ترتبط بعلاقات اقتصادية عميقة مع العالم العربي، وتعتمد بشكل كبير على الطاقة القادمة من الخليج، فضلًا عن وجود جالية هندية ضخمة تعمل في الدول العربية.
أي شعور شعبي عربي وإسلامي بأن الهند تخلّت عن موقفها التاريخي الداعم لفلسطين قد ينعكس سلبًا على صورتها ونفوذها ومجالات تعاونها.
كما أن تجاهل مشاعر ملايين المسلمين الهنود، الذين يرون في القضية الفلسطينية قضية عدالة وكرامة إنسانية، يفتح الباب أمام توترات داخلية غير ضرورية.
دولة بحجم وتنوّع الهند لا تحتمل سياسات خارجية تُفسَّر داخليًا على أنها انحياز ديني أو أيديولوجي.
التحذير هنا لا ينطلق من عاطفة، بل من قراءة سياسية باردة: الانحياز غير المشروط لدولة متهمة بانتهاك قواعد القانون الدولي الإنساني، ورفض قرارات الشرعية الدولية، يضعف النظام الدولي الذي تحتاجه الهند نفسها لحماية مصالحها وحدودها.
فمن يبرر تجاوز القانون في فلسطين، سيجد صعوبة في الاحتجاج عليه في كشمير أو في أي نزاع آخر.
الهند اليوم أمام مفترق طرق: إما أن تستعيد توازنها التاريخي، فتدعم بوضوح حق الفلسطينيين في الحرية والاستقلال، وتطالب بوقف الانتهاكات واحترام القانون الدولي؛ وإما أن تستمر في مسار انحيازها، فتخسر جزءًا من رصيدها الأخلاقي وتضع مصالحها بعيدة المدى على المحك.
القوة الحقيقية لا تكمن في الوقوف مع الأقوى عسكريًا، بل في الوقوف مع الحق حين يكون مكلفًا. والهند، بتاريخها وتجربتها التحررية، جديرة بأن تتذكر ذلك قبل أن تتحول من صوت للعدالة إلى شاهد صامت على إنكارها.
د. عبدالرحيم جاموس
الرياض
25/2/2026 م

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com