الحوار الفلسطيني في زمن الإبادة: بين الحاجة الموضوعية والارتباك السياسي.. كتب وليد العوض

تمرّ القضية الفلسطينية بمرحلة غير مسبوقة في خطورتها، في ظل حرب إبادة مستمرة منذ عامين في قطاع غزة، لم تتوقف آثارها عند حدود الجغرافيا، بل امتدت إلى الضفة الغربية ضمن مسار واضح يستهدف تصفية القضية الوطنية وتحويل الشعب الفلسطيني إلى تجمعات سكانية معزولة، بلا أفق سياسي جامع ولا مشروع وطني فاعل. وفي هذا السياق الإبادي المفتوح، تبدو الحالة السياسية الفلسطينية أسيرة ارتباك واضح، يتجلى في التردد بين إدارة أزمة يومية خانقة وبين البحث المتأخر عن مخارج لمأزق تعمّق بفعل الانقسام والعجز وارتهان الحسابات الفئوية على مدار سنوات.
في خضم هذه الظروف، استؤنف الحوار الفلسطيني بين فصائل منظمة التحرير الفلسطينية، حيث عُقدت في القاهرة لقاءات منفصلة ضمت وفودًا مركزية من حركة فتح والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين. وأُعلن لاحقًا عن التوصل إلى ورقة تفاهمات مشتركة بين فتح والجبهة الشعبية بتاريخ 12/2/2026 بعنوان «نحو وحدة وطنية واستراتيجية مواجهة شاملة»، فيما رحّبت اللجنة التنفيذية للمنظمة في اجتماعها بتاريخ 25/2/2026 بهذه التفاهمات وأشارت إلى عرضها على بقية الفصائل. وتعكس هذه اللقاءات، بلا شك، الحاجة الموضوعية إلى حوار وطني جاد في لحظة مصيرية، غير أن أهمية انعقاده لا تعني كفاية مخرجاته، ولا تعفي من إخضاعها لتقييم سياسي دقيق يراعي طبيعة المرحلة واستحقاقاتها غير المسبوقة.
فمراجعة مضمون الورقة تُظهر أنها أقرب إلى إعادة إنتاج خطاب سياسي مألوف منها إلى مبادرة نوعية تُحدث تحولًا فعليًا في موازين الواقع. فهي تؤكد مجددًا عناوين الوحدة والشراكة وإنهاء الانقسام، وهي عناوين تكررت في جولات حوار عديدة خلال عقدين، من دون أن تُرفق بآليات تنفيذ واضحة، أو جدول زمني ملزم، أو مراجعة صريحة لأسباب الإخفاقات السابقة. وفي لحظة تتسم بطابع إبادي تُطرح فيها مشاريع تصفية شاملة، يصبح الاكتفاء بالعموميات ضعفًا سياسيًا، لا ترفًا لغويًا.
إن نجاح أي حوار وطني اليوم يفترض الانطلاق من أسس واضحة ومُلزمة. أولها الالتزام الكامل بوقف إطلاق النار، ومواصلة المساءلة عن جرائم الإبادة والعمل لتحقيق العدالة وفق القانون الدولي، بما يعزز صمود الشعب وحقوقه. وثانيها ترسيخ الهدف الوطني المركزي: إقامة دولة فلسطينية مستقلة على حدود الرابع من حزيران 1967 في الضفة الغربية وقطاع غزة وعاصمتها القدس، وضمان حق العودة للاجئين وفق القرار 194، ورفض أي محاولات للالتفاف على هذه الثوابت. وثالثها التمسك بمنظمة التحرير الفلسطينية ممثلًا شرعيًا وحيدًا للشعب، والعمل على تطوير مؤسساتها وتوسيع قاعدة الشراكة داخلها بما يعيد الاعتبار لدورها القيادي الجامع
أما الركيزة الرابعة فتتمثل في تأكيد وحدة الولاية السياسية والقانونية للضفة الغربية وقطاع غزة وعاصمتها القدس، ورفض أي صيغ تُكرّس الانفصال الإداري أو الأمني. وفي هذا السياق، ينبغي أن تعمل أي لجنة تكنوقراطية لإدارة الإعمار وإزالة آثار حرب الإبادة ضمن مرجعية فلسطينية واضحة، وبمهمة محددة زمنياً ووظيفياً، بما يحفظ وحدة القوانين والمؤسسات ويمنع تحويل الإدارة المؤقتة إلى بديل سياسي دائم. والركيزة الخامسة هي تثبيت حق الشعب في مقاومة الاحتلال حتى زواله، مع التوافق الوطني على تنظيم هذا الحق ضمن رؤية سياسية موحدة، ومعالجة القضايا الخلافية، بما فيها موضوع السلاح، في إطار تفاهمات فلسطينية داخلية وبدعم عربي. وأخيرًا، لا بد من الالتزام بإجراء انتخابات عامة خلال عام، رئاسية وتشريعية ووطنية، والاحتكام لنتائجها في إعادة ترتيب البيت الفلسطيني وتجديد الشرعيات.
فالمرحلة تتطلب ما هو أبعد من بيانات حسن النوايا. إنها تتطلب قرارات حاسمة تربط بين إنهاء الانقسام ومتطلبات الصمود اليومي للناس الذين يواجهون ظروفًا معيشية كارثية، وبين إعادة بناء المؤسسات واستعادة الثقة الشعبية التي تآكلت بفعل تراكم الإخفاقات. كما تتطلب إعادة تعريف العلاقة بين الإرادة الشعبية والقرار السياسي، بحيث تصبح الوحدة أداة لتعزيز صمود الناس وحماية حقوقهم، لا صيغة توافقية لإدارة التباينات وتقاسم النفوذ.
إن الخطر لا يكمن فقط في استمرار العدوان، بل في استمرار التعامل معه بالأدوات ذاتها التي أثبتت محدوديتها. فإعادة تدوير الصيغ واللغة لن تفضي إلى نتائج مختلفة. وأي تفاهم لا يغيّر جوهر المعادلة، ولا يعيد ترتيب الأولويات على قاعدة مواجهة مشروع التصفية، ولا ينتقل من مستوى الإعلان إلى مستوى الالتزام القابل للمساءلة، سيبقى خطوة شكلية تدور في فضاء النوايا أكثر مما تلامس الواقع.
لقد أثبتت التجربة الفلسطينية أن الوحدة لا تُقاس بتوقيع الأوراق، بل بقدرتها على ترجمة نفسها إلى فعل سياسي منسجم مع حاجات الناس، ومعبّر عن إرادتهم، وقادر على مواجهة التحديات ببرنامج واضح ومحدد. أما الاكتفاء بصياغات عامة في ظل أخطر لحظة تمر بها القضية، فلا يرقى إلى مستوى التحدي التاريخي، ولا يعالج عمق الأزمة البنيوية التي يعيشها النظام السياسي.
المطلوب اليوم ليس ورقة جديدة، بل إرادة سياسية جديدة؛ ليس بيانًا إضافيًا عن الوحدة، بل مسارًا عمليًا يعيد الاعتبار للشعب ولقضاياه اليومية، ويحوّل الوحدة إلى قوة مادية فاعلة في مواجهة مشروع يسعى إلى تفكيك الأرض والهوية معًا. ففي لحظات الخطر الوجودي، لا تُقاس المبادرات بحسن صياغتها أو عدد الموقعين عليها، بل بقدرتها على تغيير الوقائع، واستعادة الثقة، وحماية ما تبقى من المشروع الوطني من خطر التآكل أو الشطب.
2026/2/28

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com