فلسطين وسياسة المحاور .. ضرورة الحياد الواعي في زمن الحروب المفتوحة… بقلم: المحامي علي أبو حبلة

في ظل الحرب المتصاعدة بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، وما يرتبط بها من انخراط مباشر لـإسرائيل، تقف القضية الفلسطينية أمام تحدٍ دقيق يفرض قراءة متأنية ومسؤولة، بعيدًا عن الانفعال أو الانزلاق إلى سياسات المحاور والاستقطابات الإقليمية.
إن المشهد الإقليمي يشهد تحولات متسارعة قد تعيد رسم موازين القوى، وتعيد تعريف أولويات الفاعلين الدوليين، الأمر الذي يفرض على القيادة الفلسطينية والقوى الوطنية كافة اعتماد مقاربة سياسية وقانونية رشيدة تحافظ على استقلالية القرار الوطني، وتمنع تذويب القضية الفلسطينية في حسابات صراعات الآخرين.
فقد أكدت التجارب التاريخية أن إقحام القضية الفلسطينية في محاور إقليمية متصارعة أضعف في كثير من الأحيان قدرتها على مخاطبة المجتمع الدولي بلغة القانون والشرعية، وحوّلها أحيانًا إلى ورقة ضغط ضمن تفاهمات إقليمية أو دولية.
القضية الفلسطينية ليست ملفًا أمنيًا تابعًا لأي محور، بل هي قضية شعب يخضع للاحتلال، يتمسك بحقه في تقرير المصير وفقًا لميثاق الأمم المتحدة وقرارات الجمعية العامة ومجلس الأمن ذات الصلة. ومن هنا، فإن الحفاظ على استقلالية القرار السياسي الفلسطيني يشكل شرطًا أساسيًا لحماية مشروعية النضال الوطني.
المخاطر الكامنة في لحظات الاضطراب الإقليمي وفي ظل الحروب الكبرى تُنتج عادةً بيئات سياسية وأمنية استثنائية، وقد تستغل بعض القوى هذه اللحظات لفرض وقائع جديدة على الأرض. وفي الحالة الفلسطينية، يظل الخطر قائمًا في أن يؤدي انشغال المجتمع الدولي بالحرب الدائرة إلى تراجع مستوى الاهتمام بالانتهاكات في الأراضي الفلسطينية المحتلة، أو إلى توسيع هامش الحركة الإسرائيلية في ملفات الاستيطان والإجراءات الأحادية.
ومن منظور القانون الدولي الإنساني، فإن الأراضي الفلسطينية تبقى أراضي محتلة، وتخضع لأحكام اتفاقيات جنيف الرابعة، ولا تسقط هذه الصفة تحت أي ظرف إقليمي أو دولي. إلا أن ضعف الرقابة الدولية في فترات الأزمات قد يؤخر المساءلة ويشجع على فرض أمر واقع جديد، وهو ما يستوجب يقظة سياسية وقانونية فلسطينية مضاعفة.
الحياد الإيجابي كخيار استراتيجي والمطلوب في هذه المرحلة ليس الانكفاء، ولا الاصطفاف، بل اعتماد سياسة “الحياد الإيجابي” التي تقوم على:، عدم الانخراط في صراعات المحاور. الحفاظ على علاقات متوازنة مع مختلف الأطراف الإقليمية والدولية ، وضرورة التركيز على أولوية القضية الفلسطينية باعتبارها قضية تحرر وطني ذات أبعاد قانونية وإنسانية واضحة.
فالقرار الوطني المستقل يعزز قدرة الدبلوماسية الفلسطينية على التحرك في مختلف العواصم، ويمنع استخدام القضية كورقة في مفاوضات لا تكون فلسطين طرفًا مباشرًا فيها.
ان تحصين الجبهة الداخلية ضرورة لا تحتمل التأجيل خاصة في ظل هذه البيئة الحساسة، يصبح توحيد الصف الوطني أولوية استراتيجية لا تقل أهمية عن أي تحرك خارجي. فالانقسام الداخلي يضعف الموقف السياسي، ويفتح المجال أمام محاولات الاستفراد بالشعب الفلسطيني أو فرض حلول انتقالية منقوصة لا تنسجم مع الحقوق الثابتة.
إن المرحلة تتطلب:تعزيز الشراكة الوطنية الحقيقية بين مختلف القوى والفصائل.وتغليب المصلحة الوطنية العليا على أي اعتبارات فئوية أو تنظيمية. وتوحيد الخطاب السياسي والقانوني في مواجهة التحديات الراهنة. فالوحدة الوطنية ليست شعارًا ظرفيًا، بل هي ركيزة الصمود السياسي والاستراتيجي.
البوصلة القانونية والسياسية ، تبقى المرجعية الأساس في التعاطي مع المتغيرات الإقليمية هي التمسك بالشرعية الدولية، وحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، وإقامة دولته المستقلة على حدود الرابع من حزيران 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، وفق القرارات الدولية ذات الصلة.
وأي مقاربة سياسية لا تنطلق من هذه الثوابت، أو تحاول توظيف الظرف الإقليمي لتمرير ترتيبات تنتقص من الحقوق الوطنية، إنما تمثل خروجًا عن الإطار القانوني والوطني الجامع.
ووفق كل ذلك فإن الحرب الدائرة في الإقليم، بما تحمله من أبعاد استراتيجية ودولية، تفرض على الفلسطينيين قيادةً وشعبًا أعلى درجات الوعي واليقظة. فالمصلحة الوطنية تقتضي عدم الانجرار إلى سياسة المحاور، وعدم السماح بتحويل القضية الفلسطينية إلى ساحة تصفية حسابات إقليمية.
الرهان الحقيقي يكمن في وحدة الصف، واستقلال القرار، والتمسك بالشرعية الدولية، وتفويت الفرصة على أي محاولة لاستغلال الظرف الإقليمي للاستفراد بالشعب الفلسطيني أو فرض وقائع تنتقص من حقوقه.
ففلسطين، بقضيتها العادلة، أكبر من أن تكون ورقة في صراع الآخرين، وأسمى من أن تُختزل في معادلات لا تخدم هدفها المركزي: الحرية والاستقلال والكرامة الوطنية.



