بين الخطاب والتخطيط: قراءة في أداء العمل النقابي داخل الأونروا.. نضال احمد جابر جودة

يشكّل العمل النقابي في المؤسسات الدولية، وفي مقدمتها وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين، ركيزة أساسية لحماية الحقوق الوظيفية وصون الكرامة المهنية للعاملين فيها. غير أن تعقيد البيئة السياسية والمالية التي تعمل ضمنها هذه المؤسسة يفرض على القيادات النقابية قدرًا عاليًا من المسؤولية والحساب الدقيق قبل الإقدام على أي خطوة تصعيدية قد تنعكس آثارها مباشرة على الموظفين وأسرهم. فالدفاع عن الحقوق مبدأ لا خلاف عليه، لكن طريقة إدارة هذا الدفاع هي التي تحدد إن كان سيقود إلى مكاسب حقيقية أم إلى خسائر غير متوقعة.
في الأزمات الأخيرة برز خطاب نقابي مرتفع السقف في مواجهة قرارات تمس الرواتب أو المدخرات أو الاستقرار الوظيفي. ومن حيث المبدأ، لا يمكن الاعتراض على مشروعية رفض تحميل الموظف تبعات أزمات تمويلية أو إدارية لا يد له فيها، لكن التجربة السابقة داخل المؤسسة تفرض قراءة متأنية قبل تكرار أدوات التصعيد ذاتها. فقد شهدت فترات سابقة تحركات واسعة وصلت إلى الإضراب المفتوح بهدف الضغط على الإدارة في قضايا تتعلق بالفصل أو الإجراءات التأديبية، إلا أن النتائج لم تحقق الأهداف المعلنة؛ إذ مضت الإدارة في تطبيق لوائحها، وتكبّد بعض الموظفين خسائر وظيفية، فيما تحمّل آخرون خصومات مالية نتيجة مشاركتهم في الإضراب. استحضار هذه الوقائع لا يهدف إلى إدانة أحد، بل إلى التأكيد على درس أساسي في العمل النقابي: التصعيد أداة من أدوات الضغط، لكنه ليس غاية بحد ذاته، وعندما لا تحقق الأداة هدفها تصبح المراجعة واجبًا أخلاقيًا وتنظيميًا.
النقابة وُجدت لحماية الموظف لا لتعريضه لمخاطر غير محسوبة، خصوصًا في مؤسسة تحكمها أنظمة داخلية ولوائح دولية صارمة. وأي تحرك احتجاجي ينبغي أن يستند إلى قراءة دقيقة لموازين القوى القانونية والمؤسسية، وإلى خطة واضحة لمراحل التصعيد وسقفه الزمني، وإلى بدائل تفاوضية محددة، فضلًا عن آليات دعم في حال ترتب على التحرك كلفة مالية أو وظيفية. غياب هذه العناصر يحوّل الفعل النقابي من إدارة استراتيجية للأزمة إلى رد فعل عاطفي عليها، وهو ما يضع الموظف الفرد في موقع تحمّل النتائج دون امتلاكه شبكة أمان حقيقية.

ولا يمكن إغفال أثر البيئة السياسية المحيطة في تشكيل المواقف داخل الجسم الوظيفي، إذ قد تؤثر الانتماءات والاصطفافات في طريقة قراءة القرارات وتقييم الخيارات المطروحة. غير أن القرار النقابي بطبيعته ينبغي أن يُبنى على المصلحة المهنية المباشرة، لا على الاعتبارات الحزبية أو الرمزية. فالموظف، سواء كان منتميًا سياسيًا أم لا، معني أولًا باستقراره الوظيفي ودخله ومستقبل أسرته، وأي خلط بين هذه الأولويات وحسابات أوسع قد يضعف التركيز على الهدف الأساسي للعمل النقابي، وهو حماية الحقوق ضمن إطار واقعي قابل للتحقق.
إن ثقافة المساءلة الداخلية تمثل عنصرًا جوهريًا في أي عمل نقابي ناضج. فبعد كل تحرك كبير يفترض أن يكون هناك تقييم علني للنتائج، وتوضيح للأخطاء إن وُجدت، واستخلاص للدروس قبل الانتقال إلى جولة جديدة من التصعيد. المطالبة بالشفافية ليست خروجًا على النقابة، بل هي تعبير عن الحرص عليها، والنقابة القوية هي التي تستوعب النقد وتحوّله إلى أداة تطوير، لا إلى مصدر انقسام. وفي المقابل، لا يُعفى الموظف من مسؤوليته الفردية؛ فالدعم المطلق لأي موقف دون مساءلة أو طلب إيضاح يضعف الثقافة المؤسسية ويعزز القرارات غير المدروسة. المشاركة في أي تحرك يجب أن تكون مبنية على فهم كامل لكلفته المحتملة ومآلاته المتوقعة، لأن الوعي النقابي لا يعني الرفض الدائم ولا التأييد الدائم، بل القدرة على التمييز بين التصعيد المحسوب والمغامرة غير المضمونة.
إن المرحلة الراهنة تتطلب خطابًا عقلانيًا يوازن بين حماية الحقوق والحفاظ على الاستقرار المؤسسي، فالمعادلة ليست بين الخضوع والتصعيد، بل بين التخطيط والاندفاع. الموظفون بحاجة إلى نقابة تدافع عنهم، نعم، لكنهم بحاجة أيضًا إلى نقابة تخطط لهم وتضمن لهم وتراجع نفسها قبل أن تطلب منهم خوض معركة جديدة. فالحقوق تُنتزع بالتنظيم، لكن التنظيم لا ينجح إلا بالحكمة، والحكمة تبدأ بسؤال بسيط قبل أي خطوة كبرى: هل نحن مستعدون لتحمّل نتائجها، أم أننا نكرر أدوات لم تثبت فعاليتها من قبل؟
باحث في التنمية المستدامة



