حين يعلو ضجيجُ الحمقى…! نص بقلم: د. عبدالرحيم جاموس

في هذا العالم الذي يضجّ بالأصوات والآراء، كثيراً ما يعلو الصخب حتى يُخيَّل للناس أن الحقيقة تُقاس بارتفاع الصوت، وأن كثرة القائلين تصنع الصواب. غير أن التأمل الهادئ يكشف مفارقة قديمة: أعدادُ الحمقى غالباً ما تفوق أعداد الحكماء، كما تفوق الأعشابُ البرية أشجارَ الزيتون العتيقة.
الحكيم يمضي في الحياة هادئاً، كمن يحمل مصباحاً صغيراً في ليلٍ طويل؛ يعرف أن الضوء الحقيقي لا يحتاج إلى ضجيج. أما الحماقة فترفع صوتها سريعاً، وتلوّح بآرائها كأنها يقينٌ لا يقبل النقاش.
لكن الحقيقة الأعمق أن الحكيم نفسه ليس معصوماً من ظلّ الحماقة. ففي داخل كل إنسان لحظة ضعف، وهفوة فكر، ورغبة قد تُضلّ الطريق. نحن لسنا حكماء خالصين ولا حمقى تماماً؛ بل مزيجٌ معقّد من بصيرةٍ وغفلة، من نورٍ وعتمة.
الفارق الجوهري أن الحكيم حين يكتشف حماقته يتواضع ويصمت ليتأمل، بينما الأحمق إذا انكشف جهله يرفع صوته أكثر، ظنّاً منه أن الضجيج يغطي الفراغ.
ولهذا يبدو العالم أحياناً صاخباً إلى هذا الحد: ليس لأن الحكمة غائبة تماماً، بل لأن الحماقة تتحدث بلا تردّد.
ومع ذلك تبقى الحكمة، كالبذرة الصامتة في عمق الأرض؛ قد لا تُرى سريعاً، لكنها وحدها القادرة على أن تُنبت وعياً وحياة. ولعل أول الطريق إليها أن يعرف الإنسان حدود نفسه، وأن يدرك أن في داخله قدراً من الحماقة كما فيه قبسٌ من الحكمة… ومن هذا الإدراك تبدأ الحكمة الحقيقية.
د. عبدالرحيم جاموس
الرياض
9/3/2026 م
قراءة تحليلية سياسية لنص د. عبدالرحيم جاموس:
[حين يعلو ضجيج الحمقى]

بقلم: د. عادل جوده.. العراق..
يقدم النص الأدبي للدكتور عبدالرحيم جاموس مرآة نقدية ثاقبة للواقع السياسي المعاصر، حيث يتحول الصخب من ظاهرة اجتماعية عابرة إلى أداة حكم ومنهج في إدارة الصراع.
فالعالم الذي يضج بالأصوات ليس مجرد وصف شعري.. بل تشخيص دقيق لبيئة سياسية أصبحت فيها الشعارات الرنانة والبساطة المفرطة عملة رائجة بينما تُهمش الحكمة التي تتطلب تأملا وصبرا وهدوءا.
في المشهد السياسي الراهن نلاحظ بوضوح كيف أن قياس الحقيقة بارتفاع الصوت أصبح قاعدة غير معلنة. فالخطاب السياسي الشعبوي يعتمد على التضخيم والتكرار والاحتشاد، بينما يبقى الخطاب العقلاني هادئا بحكم طبيعته الاستدلالية التي تخاطب العقل قبل العاطفة.
هذا الخلل البنيوي في التواصل السياسي يخلق فجوة خطيرة بين من يملكون أدوات الضجيج ومن يملكون أدوات الفهم، مما يؤدي في كثير من الأحيان إلى انتصار الخطاب الأقوى صوتا على الخطاب الأصح مضمونا.
المفارقة التي يشير إليها النص بين كثرة الحمقى وقلّة الحكماء تجد صدًا سياسيا عميقا في أزمة التمثيل والقيادة.
فالأنظمة السياسية التي تعتمد على التعبئة العاطفية والخطاب التبسيطي تجد في “كثرة القائلين” غطاء شرعيا لقرارات قد تفتقر إلى الرؤية الاستراتيجية. وفي المقابل، يبقى أصحاب الرؤية الهادئة، الذين يشبههم الكاتب بحامل المصباح في الليل الطويل، أقل قدرة على المنافسة في ساحة تفضل الصراخ على الحوار، والعاطفة على التحليل.
غير أن البعد الأعمق في النص يكمن في اعترافه بأن الحكمة والحماقة ليستا صفتين ثابتتين، بل حالتين متداخلتين في الذات الإنسانية. وهذا الاعتراف يحمل درسا سياسيا جوهريا: فأي نظام سياسي أو قيادي يحتاج إلى آليات للمراجعة الذاتية والمحاسبة الداخلية. فالسياسي الحكيم ليس من لا يخطئ، بل من يملك الشجاعة للتوقف ومراجعة مساره حين يكتشف أن قرارا ما نبع من غفلة أو انفعال.
أما الأحمق سياسيا، فهو من يضاعف من أخطائه بالدفاع عنها بضجيج إعلامي وخطابي، ظانا أن التغطية على الخطأ أهم من تصحيحه.
في عصر الوسائط الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي، يتفاقم هذا التحدي بشكل غير مسبوق. فأدوات الضجيج أصبحت في متناول الجميع، وتحولت المنصات الرقمية إلى ساحات تتصارع فيها الأصوات لا الأفكار. الخوارزميات التي تفضل المحتوى المثير والعاطفي تعطي أفضلية تلقائية للخطاب الصاخب على حساب الخطاب الرصين.
وهذا يخلق بيئة سياسية مشوهة، حيث تبدو الأغلبية الصامتة أو الهادئة أقل تأثيرا من الأقلية الصاخبة، مما يربك عملية صناعة القرار ويشوه إرادة الناخبين.
رغم ذلك، يبقى الأمل معقودا على تلك “البذرة الصامتة” التي يشير إليها النص.
ففي السياسة كما في الحياة، القرارات المصيرية والتحولات التاريخية الكبرى نادرا ما تولد من الضجيج. فالاتفاقات الاستراتيجية وبناء المؤسسات وإصلاح الأنظمة تتطلب هدوءا وصبرا وعمقا في النظر. الحكمة السياسية الحقيقية تكمن في القدرة على تمييز اللحظة التي يجب فيها الصمت للاستماع، واللحظة التي يجب فيها الكلام للتوجيه، واللحظة التي يجب فيها الفعل للتغيير.
الدرس النهائي الذي يقدمه النص للقارئ السياسي هو أن بداية الحكمة تكمن في معرفة الحدود. فالسياسي الذي يدرك أن في داخله قدرا من الغفلة سيكون أكثر انفتاحا على المشورة وأقل غرورا في القرار. والمجتمع الذي يعترف بتداخل النور والعتمة في مكوناته سيكون أكثر تسامحا مع الاختلاف وأكثر قدرة على الحوار البناء. وفي النهاية، قد يكون الصمت الاستراتيجي في زمن الضجيج السياسي هو أبلغ أشكال المقاومة وأرقى مظاهر الحكمة.
إن دعوة الدكتور جاموس للتواضع والتأمل ليست ترفا أدبيا، بل ضرورة سياسية.
فالعالم الذي تدار شؤونه بالضجيج وحده عالم معرض للارتباك والانهيار. أما العالم الذي يفسح مساحة للهدوء والتفكير، فهو العالم القادر على استنبات الوعي وخلق الحياة. وفي هذا المعنى، يصبح النص ليس مجرد تأمل فلسفي، بل خارطة طريق أخلاقية لإعادة الاعتبار للحكمة في زمن يخلط فيه الكثيرون بين الصوت المرتفع والرأي الرصين.
تحياتي واحترامي 🌹🌹🌹



