اقتصاد الحروب… من يربح من اشتعال الممرات البحرية…؟

بقلم: د. عبد الرحيم جاموس
في عالم تحكمه المصالح قبل المبادئ، لا تتحرك الجيوش وحدها حين تندلع الأزمات، بل تتحرك معها الأسواق والشركات الكبرى وأسعار الطاقة والتأمين والشحن.
فالتوترات التي تضرب الممرات البحرية الاستراتيجية لا تبقى مجرد أحداث عسكرية أو سياسية، بل تتحول سريعاً إلى جزء من اقتصاد عالمي واسع يجد في الأزمات فرصاً جديدة للربح.
وفي قلب هذه المعادلة تقف ممرات بحرية شديدة الحساسية، وفي مقدمتها مضيق هرمز، أحد أهم الشرايين التي يمر عبرها جزء كبير من تجارة النفط في العالم.
فمجرد التلويح بتهديد الملاحة فيه يكفي لاهتزاز أسواق الطاقة وارتفاع أسعار النفط وتضاعف تكاليف التأمين والشحن البحري.
في مثل هذه اللحظات تتحرك شركات النفط الكبرى، وشركات التأمين البحري، وصناعات السلاح والخدمات اللوجستية، لتجد في التوتر فرصة اقتصادية لا يمكن تجاهلها.
فكل أزمة في طرق التجارة العالمية تعني عقوداً جديدة، وتأميناً أعلى، وتسليحاً أكثر، وأرباحاً قد تتجاوز أحياناً ما تحققه الأسواق في أوقات الاستقرار.
غير أن تصوير ما يحدث على أنه مجرد “مسرحية” يبقى تبسيطاً مفرطاً لمشهد أكثر تعقيداً.
فالتوترات التي تشهدها المنطقة ترتبط بسلسلة متشابكة من الصراعات والأزمات، من الحرب الدائرة في غزة، إلى الأدوار المتصاعدة لقوى إقليمية وجماعات مسلحة مثل الحوثيون في اليمن، إضافة إلى تنافس القوى الدولية على النفوذ والممرات الاستراتيجية.
ومع ذلك، فإن التاريخ الحديث يعلّمنا حقيقة لا يمكن تجاهلها: الأزمات الكبرى تصنع اقتصاداً خاصاً بها.
ففي عالم تحكمه المصالح، لا تكون جميع الأطراف خاسرة عندما تتصاعد التوترات.
فبينما تعاني الشعوب من القلق وعدم الاستقرار وارتفاع تكاليف المعيشة، تنشط أسواق السلاح والطاقة والتأمين والنقل البحري، وتتحول المخاطر إلى أرقام في دفاتر الأرباح.
لكن الوجه الآخر لهذه المعادلة يتمثل في الخسائر التي تتكبدها اقتصادات دول المنطقة نفسها. فاضطراب الملاحة في البحر الأحمر منذ اندلاع الحرب في غزة في السابع من أكتوبر 2023 أدى إلى تراجع ملحوظ في حركة السفن عبر قناة السويس في مصر، بعدما فضلت العديد من شركات الشحن العالمية تغيير مساراتها والالتفاف حول رأس الرجاء الصالح تجنباً للمخاطر الأمنية.
وقد انعكس ذلك في انخفاض كبير في إيرادات القناة، التي تمثل أحد أهم مصادر العملة الصعبة للاقتصاد المصري.
إن المشكلة الحقيقية لا تكمن فقط في أن بعض الشركات تحقق أرباحاً من الأزمات، فهذا أمر يكاد يكون جزءاً من طبيعة الاقتصاد العالمي، بل في أن استمرار التوتر قد يصبح في نظر بعض اللاعبين الدوليين أقل كلفة من إنهائه.
وعند هذه النقطة تتحول إدارة الأزمات إلى نمط دائم، وتصبح بؤر التوتر أشبه بصمامات ضغط تُفتح وتُغلق وفق إيقاع المصالح الكبرى.
لهذا فإن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس فقط: من يربح من التوتر في المضائق والممرات البحرية؟
بل السؤال الأعمق هو: هل يسعى العالم حقاً إلى إنهاء الأزمات، أم إلى إدارتها بطريقة تضمن استمرار تدفق المصالح؟
ففي زمن تتقاطع فيه الجغرافيا مع الاقتصاد، قد تتحول الممرات البحرية إلى ساحات صراع، لكن الأخطر أن تتحول الأزمات نفسها إلى اقتصاد قائم بذاته، يجد فيه البعض فرصاً للربح بقدر ما يجد فيه الآخرون أسباباً جديدة للمعاناة.
د. عبد الرحيم جاموس
الرياض
13/3/2026 م


