اقتصاد الإغاثة في غزة: حين تتحول المساعدات من إنقاذ مؤقت إلى بديل عن التنمية

اد. سمير مصطفى أبو مدلله
محاضر في جامعة الأزهر – غزة
عضو الأمانة العامة لاتحاد الاقتصادين الفلسطينين
في واحدة من أكثر الأزمات الإنسانية تعقيدًا في العالم، يقف قطاع غزة اليوم أمام مفارقة اقتصادية قاسية؛ فبينما تتدفق المساعدات الإنسانية لإنقاذ السكان من كارثة غير مسبوقة، يتراجع الاقتصاد المحلي إلى حدٍّ باتت فيه الإغاثة تشكل الركيزة الأساسية للحياة اليومية، الأمر الذي يثير تساؤلات جوهرية حول مستقبل التنمية والقدرة على إعادة بناء اقتصاد قادر على الاستمرار.
في غزه لم تعد المساعدات الإنسانية مجرد استجابة طارئة لأزمة عابرة، بل تحولت تدريجيًا إلى العمود الفقري للحياة اليومية لنحو 2.3 مليون فلسطيني يعيشون تحت واحدة من أشد الأزمات الاقتصادية والإنسانية في العالم. فالحرب المدمرة وما خلّفته من دمار واسع في البنية التحتية والقطاعات الإنتاجية دفعت الاقتصاد المحلي إلى حافة الانهيار، وفرضت واقعًا جديدًا يمكن وصفه بـ “اقتصاد الإغاثة”.
غير أن هذا الواقع يطرح تساؤلًا اقتصاديًا عميقًا:
هل تتحول المساعدات الإنسانية، التي يفترض أن تكون إجراءً مؤقتًا لإنقاذ الأرواح، إلى بديل دائم عن التنمية الاقتصادية في قطاع غزة؟
تعرض اقتصاد غزة خلال الحرب الأخيرة لانهيار غير مسبوق نتيجة التدمير الواسع للبنية التحتية والمنشآت الاقتصادية. وتشير التقديرات إلى أن معدلات البطالة تجاوزت 80%، وهي من أعلى المعدلات في العالم، في حين يعيش أكثر من 85% من السكان تحت خط الفقر.
كما أدى القصف والدمار إلى تضرر أو تدمير أكثر من 70% من المساكن والمنشآت في القطاع، إضافة إلى تدمير آلاف المحال التجارية والمصانع والمنشآت الزراعية، الأمر الذي أدى إلى شلل شبه كامل في الدورة الاقتصادية.
وتقدّر المؤسسات الاقتصادية الدولية أن الخسائر الاقتصادية المباشرة وغير المباشرة تجاوزت 30 مليار دولار، بينما قد تصل تكلفة إعادة إعمار القطاع إلى ما بين 50 و70 مليار دولار .
وتشير تقديرات صادرة عن البنك الدولي والأمم المتحدة إلى أن حجم الدمار الذي لحق بالبنية التحتية والاقتصاد في قطاع غزة يعد من بين الأكبر في تاريخ الصراعات الحديثة، ما يجعل عملية التعافي الاقتصادي وإعادة الإعمار واحدة من أكثر العمليات تعقيدًا على مستوى العالم.
وفي ظل هذا الواقع، أصبح أكثر من 90% من سكان غزة يعتمدون بدرجات متفاوتة على المساعدات الإنسانية لتأمين الغذاء والاحتياجات الأساسية.
قبل الحرب الأخيرة، كان اقتصاد غزة يعاني بالفعل من ضغوط شديدة نتيجة الحصار المستمر منذ سنوات طويلة، إلا أنه كان لا يزال يحتفظ بحد أدنى من النشاط الاقتصادي. فقد بلغ معدل البطالة قبل الحرب نحو 45%، بينما كان حوالي 60% من السكان يعتمدون على المساعدات الإنسانية بدرجات مختلفة.ورغم تلك الظروف الصعبة، كانت بعض القطاعات الاقتصادية لا تزال تعمل، مثل الزراعة والصناعات الصغيرة والتجارة المحلية، كما كانت آلاف المنشآت الاقتصادية توفر فرص عمل محدودة وتحافظ على الحد الأدنى من الدورة الاقتصادية.
غير أن الحرب الأخيرة أدت إلى تدمير هذا الهامش الضيق من النشاط الاقتصادي، حيث توقفت آلاف المنشآت عن العمل، وتضررت مساحات واسعة من الأراضي الزراعية، وانهارت البنية التحتية الأساسية من طرق وكهرباء ومياه.
وبذلك انتقل اقتصاد غزة خلال فترة قصيرة من اقتصاد هش تحت الحصار إلى اقتصاد طوارئ يعتمد بدرجة كبيرة على الإغاثة الإنسانية.
في ظل هذا الانهيار الاقتصادي، أصبحت المساعدات الدولية التي تقدمها المؤسسات الإنسانية والمنظمات الدولية المصدر الرئيسي لتوفير الغذاء والخدمات الأساسية للسكان.
ولا شك أن هذه المساعدات تلعب دورًا حيويًا في إنقاذ الأرواح وتخفيف المعاناة الإنسانية، إلا أن استمرار الاعتماد عليها لفترات طويلة قد يؤدي إلى تشكل نمط اقتصادي هش يقوم على الاستهلاك دون إنتاج.
فالمجتمعات التي تعتمد على المساعدات لفترات طويلة تفقد تدريجيًا قدرتها على إعادة بناء اقتصادها المحلي، خاصة في ظل غياب فرص العمل وتوقف عجلة الإنتاج.
يترافق اقتصاد الإغاثة في كثير من الأحيان مع ظواهر اقتصادية سلبية، من أبرزها ما يمكن تسميته “اقتصاد الحرب”، حيث تظهر شبكات من الوسطاء والتجار الذين يستغلون الأزمات الإنسانية لتحقيق أرباح استثنائية من خلال الاحتكار أو رفع الأسعار أو التحكم في تدفق السلع.
وفي ظل ضعف الرقابة وتدهور مؤسسات السوق، قد تتحول بعض الأنشطة الاقتصادية إلى أنماط طفيلية تستفيد من استمرار الأزمة بدلًا من السعي إلى إنهائها، الأمر الذي يزيد من الفجوة الاجتماعية بالمجتمع
رغم أن المساعدات الإنسانية تبقى ضرورة لا غنى عنها في ظل الكارثة الإنسانية التي يعيشها قطاع غزة، فإن التحدي الحقيقي يكمن في كيفية تحويل هذه المساعدات إلى جسر نحو التعافي الاقتصادي وليس بديلًا دائمًا عنه.
ويتطلب ذلك تبني سياسات اقتصادية تقوم على الربط بين العمل الإغاثي وبرامج التعافي المبكر، من خلال دعم المشروعات الصغيرة، وإعادة تأهيل البنية التحتية الاقتصادية، وتشجيع الإنتاج المحلي، وخلق فرص عمل جديدة.
كما أن إعادة تشغيل الاقتصاد في غزة تتطلب تسهيل حركة التجارة وفتح المجال أمام دخول المواد الخام اللازمة للإنتاج، بما يسمح بإعادة بناء دورة الاقتصاد المحلي.
في هذا السياق، تبرز الحاجة الملحّة إلى تحرك جاد من قبل الجهات المانحة والمجتمع الدولي ورعاة أي اتفاقات تهدف إلى تثبيت الاستقرار في غزة، من أجل الانتقال من مرحلة الإغاثة الطارئة إلى مرحلة التعافي الاقتصادي وإعادة الإعمار.
فالمساعدات الإنسانية، رغم أهميتها، لا يمكن أن تكون بديلًا عن إطلاق عملية إعمار حقيقية تعيد بناء البنية التحتية والقطاعات الإنتاجية وتوفر فرص العمل لآلاف العاطلين عن العمل. إن دعم الاقتصاد المحلي وإعادة تشغيل عجلة الإنتاج يمثلان حجر الأساس في استعادة الأمل لدى المواطنين، وتمكين المجتمع من الانتقال من الاعتماد على المساعدات إلى الاعتماد على العمل والإنتاج.
إن بدء عملية إعادة الإعمار وتوفير الدعم اللازم للاقتصاد الفلسطيني في غزة لا يشكل فقط استجابة إنسانية، بل يمثل أيضًا استثمارًا في الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، ويمنح السكان بصيص أمل في مستقبل أكثر استقرارا وكرامه
وإذا استمر الاقتصاد في غزة محصورًا ضمن دائرة الإغاثة دون إطلاق مسار حقيقي للتنمية وإعادة الإعمار، فإن ذلك قد يؤدي إلى ترسيخ نموذج اقتصادي هش يعتمد على المساعدات الخارجية بدلًا من الإنتاج المحلي، وهو ما قد يكرّس حالة من الاعتماد الاقتصادي طويل الأمد ويحدّ من قدرة المجتمع على تحقيق التعافي الذاتي.
ومن هنا، فإن الانتقال من اقتصاد الإغاثة إلى اقتصاد الإنتاج يمثل أحد أبرز التحديات التي ستواجه غزة في مرحلة ما بعد الحرب.
إن استمرار تدفق المساعدات الإنسانية إلى غزة يبقى ضرورة إنسانية ملحّة في ظل الكارثة الحالية، لكن تحويل الإغاثة إلى نمط اقتصادي دائم يحمل مخاطر كبيرة على مستقبل المجتمع والاقتصاد في القطاع.
فالشعوب لا تبني مستقبلها بالمساعدات، بل بالعمل والإنتاج والاستثمار. وغزة عُرفت تاريخيًا بحيوية اقتصادها وقدرة أبنائها على الصمود .
إن التحدي الحقيقي اليوم لا يكمن فقط في إطعام الجائع وإغاثة المنكوب، بل في خلق الظروف التي تسمح بعودة الإنتاج والاستثمار والتنمية.
فالإغاثة قد تنقذ الحاضر،لكن التنمية وحدها هي التي تصنع المستقبل

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com