الشرق الأوسط الجديد… حرب تعيد تشكيل المنطقة وتعيد فلسطين إلى قلب المعادلة… بقلم: د. عبد الرحيم جاموس

يقف الشرق الأوسط اليوم على أعتاب مرحلة تاريخية بالغة الحساسية؛ مرحلة قد تعيد رسم خرائط النفوذ والتوازنات في المنطقة. فالحروب الكبرى لم تكن يومًا مجرد مواجهات عسكرية عابرة، بل لحظات فاصلة يعاد خلالها تشكيل النظام الإقليمي، وتفرض فيها وقائع جديدة على الأرض والسياسة معًا. وما نشهده اليوم من تصاعد في الصراعات والتوترات قد يكون أحد المؤشرات على أن المنطقة تتجه بالفعل نحو شكل جديد من التوازنات، وربما نحو شرق أوسط مختلف عمّا عرفناه خلال العقود الماضية.
غير أن قراءة المشهد تقتضي قدرًا من الواقعية السياسية بعيدًا عن العواطف والانفعالات. فالصراعات الكبرى لا تُحسم بالرغبات ولا بالشعارات، بل بميزان القوة، وبقدرة الدول على الصمود والاستمرار في معارك طويلة ومعقدة.
في هذا السياق، تبدو إيران دولة محورية في معادلة الشرق الأوسط، يصعب تجاوزها أو إقصاؤها بسهولة من النظام الإقليمي. فإيران تمتلك عناصر قوة متعددة، من عمقها الجغرافي والبشري، إلى برنامجها الصاروخي المتطور، مرورًا بشبكة من العلاقات والتحالفات الإقليمية التي بنتها خلال عقود. ولهذا فإن الحديث عن انهيارها السريع أو إخراجها من المعادلة يبدو أقرب إلى التقديرات المتسرعة منه إلى القراءة الواقعية لموازين القوى.
وفي المقابل، تبدو الولايات المتحدة أكثر حذرًا في الانخراط في حروب طويلة ومفتوحة، خصوصًا بعد التجارب القاسية التي خاضتها خلال العقدين الماضيين، مثل الحرب العراقية والحرب الافغانية . فقد كشفت تلك الحروب عن كلفة هائلة سياسيًا واقتصاديًا وبشريًا، الأمر الذي جعل الاستراتيجية الأمريكية تميل في السنوات الأخيرة إلى تجنب الحروب البرية الطويلة، والاكتفاء بسياسات الردع والضغط والتحالفات.
أما Israel، فعلى الرغم من امتلاكها قدرات عسكرية وتكنولوجية متقدمة، فإنها تبقى دولة تعتمد بدرجة كبيرة على شبكة من التحالفات والدعم الغربي، خصوصًا من الولايات المتحدة. وفي حال اندلاع حرب إقليمية واسعة وممتدة، فإن المجتمع الإسرائيلي قد يواجه ضغوطًا كبيرة، سواء على المستوى الأمني أو الاقتصادي أو النفسي، خصوصًا إذا تحولت الحياة اليومية إلى حالة دائمة من الملاجئ والإنذارات وتعطلت الأنشطة الاقتصادية والحيوية.
لكن في الوقت ذاته، لا يمكن تجاهل أن إسرائيل تمتلك منظومات دفاع متطورة وقدرات ردع مهمة، وأن القوى الغربية لن تسمح بسهولة بانهيارها الكامل، لأن ذلك سيعني تحولًا جذريًا في ميزان القوى في المنطقة.
وفي خلفية هذا المشهد المعقد، تراقب قوى دولية كبرى مثل الصين و روسيا تطورات الصراع بعين استراتيجية.
فهاتان القوتان تستفيدان إلى حد ما من انشغال الولايات المتحدة في أزمات متعددة، ومن تراجع بعض أوجه نفوذها الدولي. غير أن مصلحتهما لا تكمن في اندلاع حرب إقليمية شاملة قد تهدد استقرار أسواق الطاقة العالمية وتؤدي إلى اضطرابات اقتصادية واسعة. لذلك فإن دعمهما لبعض الأطراف في المنطقة غالبًا ما يبقى ضمن حدود سياسية أو دبلوماسية، دون الانزلاق إلى مواجهة عسكرية مباشرة مع واشنطن.
وفي خضم هذا المشهد المضطرب، يبرز سؤال جوهري لا يمكن تجاهله: أين ستكون فلسطين والقضية الفلسطينية في ظل هذه الحرب وما قد تفرزه من تحولات؟
لقد أعادت ألأحداث وما سبقها من حرب مدمرة على قطاع غزة القضية الفلسطينية إلى مركز الاهتمام الدولي بعد سنوات من محاولات تهميشها أو تجاوزها في مشاريع إقليمية مختلفة. فقد أثبتت التطورات مرة أخرى أن الاستقرار في الشرق الأوسط لا يمكن أن يتحقق دون معالجة جوهر الصراع، والمتمثل في القضية الفلسطينية وحقوق الشعب الفلسطيني.
فمهما تغيرت التحالفات أو تبدلت موازين القوة، تبقى فلسطين العقدة المركزية في معادلة المنطقة.
وقد تتحول في ظل أي حرب إقليمية واسعة إلى محور أساسي في إعادة ترتيب التوازنات السياسية والأمنية.
ومن المحتمل أن تفضي هذه التحولات، إذا وصلت الحرب إلى مرحلة إنهاك لجميع الأطراف، إلى طرح تسويات سياسية أوسع، قد يكون من بين عناصرها إعادة فتح ملف الحل السياسي للقضية الفلسطينية على أسس أكثر جدية وعدلاً.
فالتاريخ يشير إلى أن كثيرًا من التسويات الكبرى في المنطقة جاءت بعد حروب قاسية أعادت فرض الوقائع السياسية.
غير أن هناك في المقابل خطرًا حقيقيًا يتمثل في أن تتحول فلسطين إلى مجرد ساحة صراع بالوكالة بين القوى الإقليمية والدولية، وهو ما قد يؤدي إلى إطالة أمد المأساة بدل إنهائها، ويجعل الشعب الفلسطيني مرة أخرى يدفع الثمن الأكبر للصراعات التي تدور فوق أرضه.
إن التجربة التاريخية للشرق الأوسط تؤكد أن الحروب الكبرى في هذه المنطقة نادرًا ما تنتهي بانتصار حاسم لطرف واحد.
وغالبًا ما تنتهي بعد مراحل من الاستنزاف المتبادل، لتظهر في النهاية توازنات جديدة بين القوى المتصارعة.
ولهذا فإن الحديث عن “شرق أوسط جديد” لا يعني بالضرورة انهيار دول أو اختفاء قوى كبرى، بقدر ما يعني إعادة ترتيب لموازين النفوذ والأدوار في المنطقة.
ويبقى المستقبل مفتوحًا على احتمالات متعددة، فالأحداث تتسارع، والمفاجآت واردة في عالم السياسة الدولية.
لكن الحقيقة التي لا يمكن إنكارها هي أن شعوب المنطقة هي التي تدفع دائمًا الثمن الأكبر للحروب والصراعات.
وفي قلب هذه الحقيقة تقف فلسطين، الجرح المفتوح في تاريخ الشرق الأوسط، والقضية التي لم تستطع كل مشاريع التسوية أو محاولات التجاهل أن تطويها أو تلغي حضورها.
فمهما اشتعلت الحروب وتبدلت التحالفات، تبقى فلسطين الحقيقة الثابتة في معادلة هذه المنطقة، والقضية التي سيظل السلام العادل فيها الشرط الأساسي لأي استقرار حقيقي في الشرق الأوسط.
د. عبد الرحيم جاموس
الرياض
16/3/2026 م

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com