غزة بين نارين أحلاهما مر.. بقلم/ إحسان بدرة

أكتوبر من العام الماضي جرى التوصل إلى ما يعرف باتفاق وقف إطلاق النار بين حماس وإسرائيل بعد ضغوط دولية ومساع أقليمية مكثفة وعلى اعتباره خطوة أولى لوقف حرب الابادة على غزة وبالتالي فتح مسار سياسي وإنساني أوسع ..
غير أن هذا الخيار لم يفعل بصورته الحقيقية حيث اختلف المشهد في منطقة الشرق الأوسط بعد بدء الحرب بين الولايات المتحدة

الأمريكية وإسرائيل من جهة وإيران ولبنان من الجهة الأخري وبالتي انتقل مركز الاهتمام الدولي تجاه ساحات إقليمية أخري و مع احتمالات اتساع الصراع والذي بدوره سوف يؤدي عمليا إلى تراجع مساحة استكمال بنود خطة ترامب واتفاق وقف الحرب على غزة والدفع به نحو الجمود والتعطيل المتبادل بين أطراف الصراع.

حيث أنه منذ اللحظات الأولي لتطبيق الاتفاق بمراحله الثلاثة …
☆ وقف الحرب . تبادل الأسرى. إدخال النساعدات☆
وما يتبعه من تنفيذ المرحلة الثانية
و ترتيباتها الأعمق حيث تشمل
* تثبيت الهدنة وتوسيع عمليات الإغاثة.
*انسحاب قوات الاحتلال من قطاع وفتح المعابر والبدء في عملية إعمار القطاع .
ومن ثم الوصول لاتفاق سياسي حول مستقبل إدارة قطاع غزة ومكانته في إطار النظام السياسي الفلسطيني لن يكون سهلا بسبب المماطلة والتهرب من استحقاقات تنفيذ المرحلة الثانية من الاتفاق والتي بدأت بصورة مبكرة لدى طرفي الاتفاق كلا حسب حساباته ومصالحه.
* حماس عليها تسلم سلاحها وتسليم القطاع للجنة الوطنية وانسحابها من المشهد ما يعني نهايتها
* إسرائيل عليها الانسحاب من قطاع غزة وهي لا تريد ذلك خوفا من فقدان الذريعة للاستمرار في الضربات العسكرية بحجة تهديد امنها من القطاع .

فالمشهد اليوم ما بين تجميد اتفاق وقف النار وهدنة معلقة واتساع رقعة الحرب الاقليمية لم تكتمل مراحلها بالتالي تراجع ملف غزة في سلم الأولويات الدولية وبقاء أكثر من مليوني.فلسطيني في قطاع غزة أسرى حسابات سياسية وعسكرية تتجاوز حدودهم وأمام هذا الواقع نحن بحاجة لمبادرة فلسطينية تعيد كسر حالة الجمود وتعيد القضية إلى صدارة الاهتمام .

في على الصعيد الإقليمي لم يعد خافيا أن مجريات الاحداث وتطورات الحرب الأمريكية – الإسرائيلية على إيران وما رافقها من اتساع دائرة التوتر الإقليمي وتأثيرها المباشر على مسار الأوضاع في قطاع غزة وعلى الجهود السياسية التي كانت قد أفضت في وقت سابق إلى أنفاق لوقف إطلاق النار ودخول الاتفاق حيز التنفيذ في العاشر من أكتوبر من العام الماضي.
حيث أن انتقال مركز الإهتمام الدولي والعسكري نحو ساحات إقليمية في ظل الحرب الدائرة ضد إيران وما تثيره من احتمالات اتساع حالة من الجمود والتعطيل المتبادل منذ الأيام الأولي من تطبيق اتفاق وقف الحرب حيث أن المؤشرات تدل على أن الطريق ليس بالسهل نحو استكمال مراحله الثلاث من الانسحاب . الإسرائيلي من القطاع.. وتبادل الأسرى … دخول المساعدات وعلى أن يتبعها مرحلة ثانية تتعلق بترتيبات أكثر من عمق وتشمل تثبيت التهدئة وتوسيع عمليات الإغاثة وانسحاب قوات الاحتلال من قطاع غزة وفتح المعابر والبدء بعملية إعادة الإعمار وصولا لنقاش سياسي أوسع حول مستقبل إدارة القطاع ومكانته في آطار النظام السياسي الفلسطيني .. في حين أن المماطلة ومحاولات التهرب من استقاقات المرحلة الثانية بدءت مبكرة لدي طرفي الاتفاق كلا حسب مصالحه وحساباته الخاصة .

* بالنسبة لدولة الاحتلال الاستحقاقات المرحلة لم تكن مجرد مسألة تقنية بل عمليا للدخول في الالتزامات السياسية والأمنية ودولة الاحتلال لا ترغب في تحملها حيث أن تنفيذها يتطلب توسيع نطاق الانسحاب العسكري من مناطق واسعة وتسهيل عملية إدخال المساعدات بدون شروط وقيود على حركة السكان والبضائع وإطلاق دفعات جديدة من الأسرى
الفلسطينيين وفقا ما نصت عليه التفاهمات ولكن الملاحظ والظاهر أن حكومة الاحتلال اختارت من البداية سياسة المماطلة والتسويف معتمدة على الاعتبارات الإسرائيلية الداخلية والتي تتعلق بأزمة الائتلاف الحكومي ممثلة بالضغوطات التي يمارسها التيار اليمني المتطرف .
كذلك الرغبة الإسرائيلية إبقاء الورقة العسكرية مفتوحة واستخدامها كورقة ضغط في أي ترتيبات سياسية لاحقة .
* أما بالنسبة لحركة حماس الاستحقاقات لها لم تكن في منأي عن التعقيدات التي أحاطت الاتفاق حيث أن من بين الاستحقاقات المرحلة الثانية نقل إدارة الحكم في قطاع غزة إلى لجنة تكنوقراط تتولى إدارة الشؤون المدنية والخدماتية والي موضوع السلاح ومعالجة مما ينزع الذرائع والتي قد يستخدمها الاحتلال للعودة للتصعيد غير أن حماس في هذه المساحة بدت منخفضة في المضي بعيدا في هذه الالتزامات في ظل غياب الضمانات الدولية لإنهاء الحرب بشكل كامل .
وإن استمرار المخاوف لدي الطرفان في استغلال أي من الترتيبات انتقالية لإعادة فرض واقع أمني وسياسي جديد في القطاع أوجد عائقا بين حسابات متعارضة .
الاحتلال يسعى لكسب الوقت واعادة ترتيب أولوياته الإقليمية في ظل التصعيد المتسارع في المنطة
* حماس تحاول الحفاظ على موقعها ووجودها والاحتفاظ بأوراق القوة والتي تمتلكها وعدم التفريط بها في ظل غموض المشهدين السياسي والعسكري واتساع دائرة المواجهة في الإقليم* وخاصة مع تصاعد التوتر بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل من جهة وإيران من الجهة الأخرى.
حيث بدأ واضحا أن ملف غزة لم يعد يحتل الموقع ذاته في سلم الأولويات الدولية وبات رهينة لتطورات الصراع الإقليمي الأوسع.
ووسط هذه التطورات دخلت فكرة تشكيل لجنة تكنوقراط لإدارة شؤون قطاع غزة مرحلة من الجمود والانتظار السياسي والإداري حيث طرحت هذه اللجنة باعتبارها صيغة انتقالية يمكن تتولى إدارة الخدمات المدنية والإغاثية بعيداً عن الاستقطابات السياسية لما يمهد الطريق لترتيب البيت الفلسطيني الداخلي وإعادة توحيد المؤسسات .
ولكن فهذه الفكرة اصطدمت بجملة من التعقيدات. …
▪︎•المرتبطة بالتباينات الفلسطينية الداخلية حول طبيعة هذه اللجنة وصلاحياتها، وخاصة أن مرجعيتها ارتبطت بـ”مجلس السلام” الذي يرأسه الرئيس الأمريكي ترامب.
•• أو بتردد الأطراف الإقليمية والدولية في دعمها قبل اتضاح مآلات الصراع الدائر في المنطقة..
حيث أن حالة الجمود السياسي هذه لا تبقى مجرد مسألة تفاوضية أو إجرائية فإنها تنعكس وبشكل مباشر وصعب على حياة أكثر من مليوني فلسطيني يعيشون في قطاع غزة المدمر والمحصار بينهم ما يقارب مليوناً ونصف المليون يقيمون في الخيام ومراكز الإيواء .. حيث أن القطاع مازال يرزح تحت أوضاع إنسانية هى الأسوأ في تاريخه الحديث نتيجة الدمار والخراب الذي خلفته حرب الآبادة والآنهيار ءبه الكامل للبنية التحتية والبنية المعنوية وإضافة لذلك تفاقم أزمات المياه والغذاء والكهرباء والخدمات الصحية في الوقت التي تسير فيه عمليات الإغاثة وإعادة الإعمار بوتيرة بطيئة لا تتناسب مع حجم الكارثة.

ومن الواجهة الاخرى فإن أخطر ما في هذا المشهد الراهن هو استمرار تجميد استكمال اتفاق وقف إطلاق النار يفتح الباب أمام احتمالات خطيرة .
فغياب الأفق السياسي قد يدفع الأطراف المختلفة إلى الانزلاق نحو جولات جديدة من المواجهة والضربات الجوية .
وإسرائيل هنا وسط هذا الواقع ترى أن التصعيد الإقليمي فرصة لإعادة خلط الأوراق وتغيير مسار اللعبة في غزة وبالتالي فرض وقائع جديدة بالقوة . بينما الفصائل الفلسطينية تجد نفسها أمام واقع تكريس الحصار الدمار وبدون إي أفق حقيقي يقود إلى التغيير .
ومن هذا المنطلق تبدو الحاجة إلى مبادرة وطنية جادة تطلقها قيادة منظمة التحرير الفلسطينية بوصفها الممثل الشرعي والوحيد للشعب تلفلسطيني تتفاعل معها جميع الفصائل والقوى الفلسطينية بروح المسؤولية الوطنية يقضي إلى بلورة موقف فلسطيني موحد.وقادر على كسر حالة الجمود الراهنة وإعادة وضع ملف غزة في صدارة الاهتمام الدولي والإقليمي، والعمل من أجل استكمال مراحل اتفاق وقف إطلاق النار وتنفيذ استحقاقاته كاملة.
فتحن اليوم لا نحتاج تهدئة مؤقتة سرعان ما تنهار نتيجة خرقات اتفاق الهدنة . بل نحتاج لمسار سياسي واضح يصل إلى إنهاء الحرب وبشكل دائم ورفع الحصار والبدء في عملية إعادة الاعمار الحقيقي وأيضا نحن بحاجة ضرورية وملحة لتمكين الشعب الفلسطيني من آدارة شؤونه الوطنية من خلال إطار سياسي جامع و موحد يفتح الطريق لتسوية سياسية عادلة للشعب الفلسطيني وفي مقدمتها حقه في تقرير المصير والحرية وإقامة دولته المستقلة .
أما أن يبقى المشهد معلق ما بين هدنة هشة وحرب مؤجلة
(لا حرب ولا سلم) فهذا لن يؤدي إلا لتعميق المأساة الإنسانية وإبقاء المنطقة بأسرها على حافة انفجار دائم..

صحفي وناشط سياسي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com