تدويل غزة… بقلم/ إحسان بدرة 

إن انعقاد ما يسمى بـ مجلس السلام الدولي والذي صممه الرئيس الأمريكي :دونالد ترامب” قبل فترة في واشنطن وبمشاركة لجنة التكنوقراط المعنية بإدارة شؤون قطاع غزة يعيد إلى الأذان فكرة قديمة حديثة لطالما شكلت خطرا على جوهر القضية الفلسطينية وهي فكرة :تدويل قطاع غزة …
فالمشهد اليوم ورغم اختلاف اللغة والأدوات وما سبقه من مقدمات قاسية ومعطيات ميدانية مثل حرب الابادة على مدار عامين وأكثر يعيد إلى الواجهة مشروعا أسقط تاريخيا وثبت فشله بفعل الرفض الشعبي له ..
حيث أنه في أعقاب العدوان الثلاثي عام 1956 طرح مشروع تدويل قطاع غزة على اعتباره ترتيب مؤقت لإدارة الأوضاع وذلك المشروع جوهره كان سياسي
بكل المعاني حيث كان يستهدف فصل قطاع غزة عن السياق الوطني وبالتالي تحويل القطاع إلى كيان خارجيا مما يحول دون تطور إى تعبير عن السيادة الفلسطينية الفلسطينية ولقد تصدى الشعب الفلسطيني في غزة لهذا المشروع عبر المظاهرات والاعتصامات والإضرابات والتي شكلت ضغطا حقيقيا ساهم بقوة على افشال ذلك المشروع وتلك التجربة النضالية اكتسب أهميتها من إرادة الشعب في أنه لم تكن الفصائل الفلسطينية قد تشكلت بعد بصورتها المعروفة لاحقا باستثناء الحزب الشيوعي الفلسطيني، إلى جانب مجموعات من القوميين والبعثيين، وشخصيات وطنية وإسلامية مستقلة ورغم ذلك فالشارع الفلسطيني آنذاك امتلك وعيا سياسيا متقدما مكنه من التمييز بين الحلول الإنسانية الزائفة والمشاريع السياسية الهادفة إلى تصفية الحقوق الوطنية
ولقد استطاعت الجماهير الفلسطينية اسقاط مشروع التوطين والإسكان قبل طرح مشروع تدويل 1956 حيث خرجت مظاهرات غاضبة ورفعت شعار لا لبس فيه “” لا توطين ولا إسكان … يا عملاء الأمركيان”
وقد أدرك الفلسطينيون آنذاك أن التوطين لم يكن حلا لمعاناة اللاجئين بل هو مسار لتصفية القضية الفلسطينية وخاصة حق العودة .
واليوم التاريخ يعيد نفسه حيث أنه بعد ما تعرض له قطاع غزة من حرب إبادة وتدمير شامل لمناحي الحياة تعودت فكرة ” التدويل” ولكن بألوان و بصيغة أكثر. التباسا وتحت عناوين متنوعة مثل “إدارة تكنوقراط”، و“إعادة إعمار”، و“ترتيبات انتقالية”
وهنا لا بد أن نشير إلى أن لجنة التكنوقراط أنشئت لمعالجة الاحتياجات الإنسانية والخدماتية الطارئة وهذا دور مطلوب وضروري في ظل الكارثة الإنسانية التي ألمت بقطاع غزة غير أن تجاوز هذا الدور للجنة الاتكنوقراط أو الزج باللجنة في مسار سياسي يجري تصميمه في غرف مظلمة يشكل خطرا حقيقيا ليس على اللجنة بل علىالقضية الفلسطينية برمتها .
وهنا ومنوباب الحرص والصدق والأمانة فالمشكلة لا تكمن في العمل الإنساني نفسه بل في تسييسه وتحويله إلى مدخل لفرض وقائع سياسية جديدة، تُختزل فيها القضية الفلسطينية إلى إدارة شؤون السكان بدل معالجة القضية وجذور الصراع المتمثلة في الاحتلال والحرمان من الحقوق الوطنية .
حيث أن أي قرار مسار سياسي لا يستند إلى مرجعية وطنية جامعة تمثلها منظمة التحرير الفلسطينية ولا ينطلق من حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره لن يكون سوى إعادة إنتاج لمشاريع ثبت فشلها تاريخيا.
فالمفارقة تزداد إذا ما قورنت ظروف الأمس بظروف اليوم ففي الخمسينيات لم تكن فصائل ولا مؤسسات وطنية جامعة قائمة ومع ذلك استطاع الشعب الفلسطيني بوعيه الوطني وبارادة الحرة إسقاط مشاريع خطيرة .. أما اليوم توجد تجربة كفاحية طويلة وبنية سياسية وتنظيمية ومرجعية وكتير ممثلة بمنظمة التحرير الفلسطينية ومع ذلك يبدو المشهد أقل قدرة على المبادرة الشعبية وأكثر عرضة للضغوطات والإملاءت الخارجية .
وهنا يبرز السوال التاريخي…
إذا كان الفلسطينيون بالأمس قد أسقطوا التدويل عام 1956، وأسقطوا قبله مشروع التوطين، في زمن القهر وغياب التنظيم،
فهل يمكن اليوم النهوض مجددًا لإسقاط النسخة المعاصرة من مشروع التدويل؟
فإن الإجابة على هذا السؤال المنطقي والتاريخي لا يرتبط بالامكانيات بقدر ما يرتبط بإرادة سياسية واضحة وباعادة الاعتبار للدور الشعبي وبالتمييز الصارم بين العمل الإنساني الضروري والانخراط في مسارات سياسية تفصل عن الإرادة الوطنية .
وإن استلهام دروس أعوام 1954–1955–1956 ليس استدعاء للتاريخ من باب الحنين، بل من باب المسؤولية السياسية ..

غزة كانت وستبقى جزءا لا يتجزأ من القضية الفلسطينية وقضيتها ليست قضية إدارة أو إغاثة فقط بل قضية تحرر وطني وحقوق غير قابلة للتصرف
نصت عليها قرارات الشرعية الدولية وهي حق شعبنا في العودة إقامة دولته الفلسطينية وعاصمتها القدس .

صحفي وناشط سياسي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com