القيادة الفصائلية وتغييب الضمير في زمن الركام.. نضال احمد جابر جودة

وطني بيتي، ويأتي العيد وأنا بلا وطن. يأتي العيد هذا العام على قطاع غزة بطعمٍ مختلف، طعمٍ مُرٍّ تختلط فيه مشاعر الفقد بالأمل، حيث يجد أكثر من 95% من السكان أنفسهم بلا منازل، يفترشون الأرض ويلتحفون السماء. لم يعد العيد كما كان يومًا للفرح واللقاء، بل صار اختبارًا قاسيًا لقدرة الإنسان على التحمّل، وعلى التمسك بما تبقى من إنسانيته في وجه هذا الخراب الممتد.
العيد في جوهره يومٌ من أيام الله، شعيرة تحمل معاني الرحمة والتكافل والسكينة، لكن هذه المعاني تصطدم بواقع يزداد قسوة، حيث تحوّلت حياة الناس إلى صراع يومي من أجل البقاء، بلا بيتٍ يأويهم، ولا تعليمٍ يحفظ مستقبل أبنائهم، ولا حدٍّ أدنى من الاستقرار الذي يليق بكرامتهم الإنسانية.
لم يعد الحديث عن المعاناة توصيفًا مبالغًا فيه، بل هو واقع يومي يُعاش بتفاصيله المؤلمة. منذ السابع من أكتوبر 2023، وغزة تنزلق إلى حالة غير مسبوقة من اليأس والبؤس، حتى باتت سنوات طويلة من المعاناة السابقة تبدو أقل قسوة مقارنة بما يعيشه الناس اليوم. إنها لحظة انكشاف كاملة، حيث تتعرّى كل الشعارات أمام احتياجات الإنسان الأساسية التي لم تعد متوفرة.
وفي خضم هذا المشهد القاسي، لا يمكن تجاوز حقيقة أكثر إيلامًا من الدمار ذاته: تغييب الضمير لدى القيادة الفصائلية. فبينما يعيش الناس أقسى أشكال اليأس والبؤس والتعب، متنقلين بين النزوح والخوف وفقدان الأمان، تبدو تلك القيادات وكأنها خارج المشهد، لم يهتز لها جفن أمام هذا الانهيار الإنساني الواسع. لم تُترجم الشعارات إلى حماية، ولا الخطابات إلى أفعال تخفف عن الناس أوجاعهم.
لقد تُرك المواطن وحيدًا في مواجهة مصيره، بلا غطاء حقيقي، بلا قرارات تُنقذه من هذا السقوط المتسارع نحو الهاوية. وكأن معاناة الناس أصبحت تفصيلًا هامشيًا في حسابات معقدة، لا مكان فيها لكرامة الإنسان ولا لحقه في حياة آمنة. هذا الانفصال بين القيادة والناس لم يعد مجرد خلل، بل تحوّل إلى فجوة عميقة تُكرّس الشعور بالخذلان، وتُعيد تعريف الألم بوصفه حالة جماعية يعيشها الجميع دون استثناء.
وفي قلب هذا المشهد، يبقى الوطن هو القضية الأعمق والأكثر إيلامًا. لم يعد الوطن مفهومًا مجردًا أو شعارًا يُرفع، بل صار بيتًا مهدّمًا، وذكرياتٍ تحت الركام، وأمانًا مفقودًا. الوطن هو بيتي الذي دُمّر بلا ذنب، وبيتك، وبيتهم، وبيوتهن؛ هو ذلك الإحساس الذي يُنتزع من الإنسان حين يُحرم من أبسط مقومات الاستقرار.
ورغم كل هذا، يبقى السؤال معلقًا: كيف يمكن للعيد أن يكون عيدًا في ظل هذا الواقع؟ ربما لا يكون الجواب في مظاهر الفرح التقليدية، بل في قدرة الناس على التمسك ببعضهم البعض، وعلى إعادة تعريف العيد كفعل صمود إنساني، لا كشكلٍ احتفالي. فحين يُسلب كل شيء، يصبح الأمل نفسه مقاومة، وتصبح الرغبة في الحياة موقفًا.
إن ما يعيشه قطاع غزة اليوم ليس مجرد أزمة عابرة، بل جرحٌ عميق في معنى الوطن والكرامة. وبين الركام، لا يبحث الناس عن شعارات جديدة، بل عن حقهم البسيط: أن يعيشوا… في وطنٍ يشبههم.
باحث عن بيتي المدمر.



